آذار
- 24 בפבר׳ 2015
- זמן קריאה 5 דקות
تعوّدنا أن نقول آذار المرأة، الأمّ الأرض، الأرض الأمّ، تعوّدنا أن نحيي نضال النّساء في العالم في يوم المرأة العالميّ الثّامن من آذار، وأن نعبّر عن حبّنا واحترامنا لأمّهاتنا في يوم الأمّ، وأن نعيد التزامنا بالنّضال من أجل إحقاق حقوقنا في هذا الوطن في يوم الأرض.
وآذار يبدأ بيوم المرأة وينتهي بيوم الأرض فيعكس بذلك ترابط النضالات، فنضالنا من اجل حقوق النساء هو نضال لا يقتصر على النساء فقط، فيوم الثامن من آذار هو يوم نضالي لكل من يهمه مستقبل شعبنا، فهو يمثل نضال النساء العاملات من اجل ظروف عمل إنسانية وهذا مطلب للنساء دفعت ثمنه العديد من المناضلات بحياتهن قبل 100 سنة ويبقى، على الرغم من التقدم الحاصل في هذا الموضوع، مطلب حالي للنساء. وتجمعت عبر سنوات النضال قضايا إضافية للحق في العمل، كالحق في التعليم، والحق في السكن، والحق في التصويت والانتخاب والمشاركة السياسية والحق في العيش بكرامة دون فقر وعنف. وهذه الحقوق ترتبط بالنضال من اجل بقائنا في وطننا لا كسقاة وحطابين بل كشعب له تاريخ يحميه ومستقبل يبنيه، إذ لا بناء لمجتمع ولا تطور دون مشاركة 51% منه، مشاركة واعية وفعالة في جميع الميادين والمجالات في البيت والمدرسة والشارع والمصنع، في الجامعة والمكتب، في المظاهرة والاجتماع الشعبي، في العمل التطوعي وفي العمل المأجور...
هنالك من يحاول فلسفة الأمر والقول أن لكل قضية وقتها وان التحرر من الاضطهاد القومي سيؤدي حتما إلى تحرر النساء وكأن هنالك خطوات وكأن التحرير هي درجات وخطوات نحرر أولا الوطن فنحرر الإنسان، أو نحرر المرأة أولا من اجل تحرير الوطن وجميع هؤلاء يتجاهلون جدلية النضالات وترابطها ويتجاهلون أن النضال التحرري مركب وانه لا يمكن تحرير احد، فالأشخاص والمجموعات تحرر ذاتها وان النضال لا يتجزأ.
لقد أثبتت تجربة النساء في العالم ونسائنا الفلسطينيات خاصة أن الشخصي سياسي وقد جعلنا عبر سنوات النضال السياسي شخصي. فالمرأة الفلسطينية المواطنة في إسرائيل مثلا "العاطلة عن العمل" هي معطلة عن العمل بسبب سياسات الدولة في عدم تصنيع القرى العربية، وعدم ربطها في المواصلات، وعدم توفير اطر داعمة لخروج المرأة للعمل، وبسبب مصادرة الأراضي التي كانت في الماضي مكان عمل رئيس للمرأة. هي معطلة عن العمل لان أبواب السوق اليهودي مغلق إمامها، أبواب تسلحت بعنصرية تتعمق يوما بعد يوم، فهل بعد هذا ممكن أن نقول لامرأة معطلة عن العمل إنها مشكلة شخصية لديك؟؟؟
تتحدث النسويات في العالم عن السقف الزجاجي الذي يمنع تقدم المرأة في أماكن عملها، وزجاجي أي شفاف لا يمكن رؤيته لأنه ينعكس في مواقف ومعتقدات المشغلين الذين يميزون بين الرجل والمرأة، وزجاجي لأن المجتمع بقيمه ومواقفه يرى المرأة كمعيلة ثانية فلا يوفر الفرص المتساوية للتقدم... أما أنا فأنني اصف حالة المرأة الفلسطينية المواطنة في إسرائيل بأنها تحصر في غرف بطون مسلح فالسقف الذي يمنع تقدمها ليس زجاجي بل هو سقف بطون مسلح نراه ونلمسه في محاولات التغييب وفي المواقف والمعتقدات التي تنعكس في الصحافة والإعلام وفي الكتب المدرسية وفي أدب الأطفال.... ليس هذا فحسب بل أن السياسة الحكومية المميزة ضد النساء العربيات والتي تغلق الفرص إمام خروج النساء إلى العمل خارج قراهم وتبني حولهم جدران من البطون المسلح ليتنافسوا داخل هذا الحيز الضيق على الفرص الضيقة المتاحة، ويتعمق التمييز من قبل أصحاب العمل العرب الذين بغالبيتهم ونتيجة لوجود عدد كبير من الباحثات عن العمل يدفعون معاشات غير قانونية وإذا لم ترغبي في العمل فهنالك أخريات يرضين بشروط العمل الظالمة. فهل ما زال إفراد يعتقدون أن القضية شخصية؟؟
نحن نعرف تمام المعرفة أن مكانة المرأة الفلسطينية مواطنة الدولة هو نتاج للتمييز المثلث اللاحق بها بكونها جزء من الأقلية الفلسطينية في إسرائيل، وبكونها جزء من النساء في دولة معسكرة، وجزء من مجتمع محافظ نسبيا. فأي ظاهرة مجتمعية تعاني منها النساء الفلسطينيات مواطنات الدولة هي نتاج لتفاعل بين البنية السياسية في الدولة تجاهنا كأقلية وطن, وتجاه النساء عامة، وما بين البني السياسية المجتمعية التي تتأثر بالقيم والعادات والمعتقدات. قضايا النساء برأينا هي قضايا سياسية مجتمعية فالمرأة المعنفة أو المرأة التي تعيش في ظل نظام يشرعن تزويج الأطفال أو تعدد الزوجات لا تعاني لان لديها مميزات شخصية خاصة بها فالقضية ليست شخصية بل سياسية وطنية .
السياسي شخصي
كنسويات فلسطينيات شريكات في النضال الوطني كان لا بد لنا من الربط بين نضالاتنا من اجل احقاق حقوق شعبنا وبين القضايا التى نعاني منها بكوننا نساء، فادركنا ان الشخصي هو سياسي ولكن أضفنا للاجتهادات النسوية في العالم انه من المهم جعل السياسي شخصي أيضا لكي نستمر في نضالنا على عدة مستويات، ولذا فقد وضحنا أن لا هرمية في النضال، فكل قضايانا مهمة ويجب العمل عليها بتوازي فلا يمكن تغيب القضايا الاجتماعية لصالح النضال من اجل الحقوق القومية ولا يمكن إخراس صوت النساء المعنفات أو النساء اللواتي بعانين من تعدد الزوجات مثلا لصالح النضال القومي. ولا يمكن إخراس أصوات النساء مع إعاقة المهمشات مجتمعيا بحجة إن هنالك قضايا أهم، برؤيتنا جميع القضايا مهمة وهي قضايا سياسية وطنية وعلينا كشفها وكشف البني السياسية التي تسعى للمحافظة على الوضع القائم.
وعلى رغم من هذا الارتباط العضوي بين قضايا النساء وقضايا الأرض والمسكن والعمل فجميعها قضايا سياسية مجتمعية لا زلنا نلحظ غيابًا وتغييبًا للمرأة من النضالات العامة لشعبنا (الأسرى، القرى غير المعترف بها، الفقر، العنف في المجتمع...)، وغياب الرجال عن النضالات النسائية (العنف ضد النساء، قتل النساء، تعدد الزوجات، تزويج الاطفال، حرمان الفتيات من التعلم...).
غياب الرّجال في الثّامن من آذار وكأنّ النّضال من أجل حقوق المرأة، حقّها في العمل، التّعلّم والحياة، حقّها في حياة كريمة خالية من الفقر والعنف والصّراعات، حقّها في تطوير ذاتها، جميعها نضالات "للنّساء فقط". غياب الرّجال في الثّامن من آذار وتغييب النّساء في يوم الأرض، وجهان لعملة واحدة، وهذه العملة سأطلق عليها سلّم "التّقوقع النّضاليّ"، والتّقوقع النّضاليّ هو ظاهرة متفشيّة في مجتمعنا ولكنّها ليست ظاهرة جديدة، فالمجتمعات المهمّشة والمضطهدة وعلى مدار السّنين تذوّت تهميشها واضطهادها وتذوّت التّقسيمات المفروضة عليها، ويصبح التّعامل ضمنها متقوقعًا، فالشّمال يتقوقع في نضاله في الشّمال والجنوب والوسط في الوسط، والبدو في المشاكل البدويّة والحضر في المشاكل المدنيّة وإن لم يكفينا ذلك، نتقوقع داخل قريتنا أو حتّى داخل طائفتنا أو حمولتنا، أو حتّى عائلاتنا وهكذا إلى أن يصبح نضال المهمّشين ليس فقط مهمّشًا من النّضالات العامّة بل أيضًا هرميًّا ويصبح النّضال للفوز بالحيّز هو القضية وتسيطر علينا عقلية التّهميش هذه وهرميّـته ونتنافس على المكان في هرم التّهميش هذا.
وهرميّة التّهميش، هرميّة المعاناة ظاهرة سياسيّة تؤدّي بالفرد البسيط خاصّة الأفراد البسطاء (الأغلبيّة في القاعدة- المهمّشة والمقسّمة) للشّعور بعدم القدرة على الخروج والتّأثير فيغيّب عن النّضال ويصبح تغييبه سهلاً أيضًا، وهكذا عندما لم يذهب أكثر من 40% من مجتمعنا للتّصويت مثلاً فبغالبيته (وأنا لا أتحدث هنا عن المقاطعين بشكل ايدولوجيا فهؤلاء نستمر بالنقاش معهم/ن) فإنه ذوّت تهميشه وقَبِل تغييبه عن التّأثير في القرار السّياسيّ، ليس فقط على إرسال ممثلينا وممثّلاتنا للكنيست بل أيضًا على وجه هذا المجتمع وكيف نرغب أن يكون مجتمعنا الفلسطينيّ في البلاد!
وعندما لا نغيب عن النّضال بل نشارك به أصبحت نشاطاتنا غالبًا متقوقعة أيضًا، فنتقوقع ضمن حركاتنا وضمن مؤسّساتنا وبدل أن نشبك لنطوّر خطة استراتيجيّة للخروج من التّقوقع والتّهميش، من الغياب والتّغيّب نتقوقع ضمن مؤسّساتنا وأحزابنا وحركاتنا ونغفل عن أن تغييب المرأة ظاهرة سياسيّة اجتماعيّة يجب محاربتها، ولا يمكن محاربتها إلاّ بالنّضال مجتمِعَات ومجتَمِعين، فقضية المرأة وتغييبها هي ظاهرة سياسية اجتماعيّة.
ويوم الأرض علّمنا وآذار على مدار34 سنة بل على مدار 64 سنة أنّ إنجازاتنا هي نتيجة لنضال عنيد.
أذكر عندما حاولت الحركة الإسلاميّة في سنوات الـ 90 منع النّساء من الخروج إلى مظاهرة يوم الأرض وفي محاولة أخرى فصل النّساء عن الرّجال في المظاهرات. خرجت النّساء والرّجال، الشّباب والشّابات، في الجبهة، وجميع من بهمه أمر مجتمعنا- خرجنا بصوت واحد: "وحدة وحدة وطنيّة الشّبّ بحدّ الصبيّة"، وخرجنا للمظاهرات بأعداد كبيرة، للدّفاع عن حقّنا في المشاركة للدّفاع عن وجه مجتمعنا، خرجنا في يوم الأرض وفي يوم المسكن وفي صبرا وشتيلا وفي جميع أيّامنا النٍّضاليّة، خرجنا وشاركنا "الشّبّ بحدّ الصبيّة".
وفي آذار الأخير، آذار هذه السّنة وقبلها في المعارك الانتخابية خرجت النّساء للحلقات البيتيّة وللمهرجانات الشّعبيّة- جميع الأحزاب: الجبهة، التّجمّع، الموحدة كلّها استفادت من القوّة النسائيّة لتجنيد المصوّتين والمصوّتات قبل الانتخابات وفي يوم الانتخابات، فإلى متى تقبل النساء إقصائهن من غالبية ميادين النضال بينما تتراكض للحصول على صوتها يوم الانتخابات؟
هنالك من يتذرع بأهمية "اللحمة الوطنية" وكثافة "الهموم القومية" لإخراس الأصوات المنددة بانتهاكات حقوق المرأة، الطفل، المرأة و/أو الإنسان مع إعاقة، حقوق الإنسان ويطالبون بعدم "فتح أبواب جديدة علينا يكفينا ما نحن به"، ونحن أكدنا ونؤكد إن لا فصل بين القضايا وما نحن به على المستوى القومي، والاجتماعي والسياسي والتربوي والاقتصادي مرتبط يبعضه البعض. نفس المطالبين بتقبل هرمية النضال يطالبون في إخراس نضالات نسوية او نضالات سياسية لا يتفقون معها او ليست في الإجماع. اذا فالقضية ليست "الهموم القومية" بل مصالح هذه الفئة او تلك. فلا غرابة ان تستفيد السلطات الإسرائيلية من محاولات الإخراس هذه وتتحجج بأنها "لا تتدخل في القضايا الشخصية"، "وتحترم الخصوصية الثقافية" وتستخدمها لتمرير مخططاتها وتبرير إعمالها محليا وعالميا.


תגובות