top of page

افتتاحيّة - كُلّنا حكاية

  • 23 בפבר׳ 2015
  • זמן קריאה 15 דקות

يقدّم هذا الكتاب نهج العمل المتّبع في مركز الطّفولة لمشاركة النّساء في التّغيير المجتمعيّ عبر بحث إجرائيّ مرافق لمشروع العمل مع النّساء في القرى التي اعترف بها مؤخّرًا في الجليل. سيتطرّق الكتاب إلى مرحلتين تكمل إحداهن الأخرى، وتعتمد الثّانية على النّجاح الذي حقّقته الأولى، إذ قامت الدّكتورة عماليا ساعر ونسرين مزّاوي على توثيق تقييمي تلخيصي للمسار التّدعيميّ الذي قام به مركز الطّفولة مع نساء القرى والذي استمرّ ستّ سنوات. ركّزت العمل في حينه راوية لوسيا شماس في قرية الحسينيّة والكمّانة الشّرقيّة والغربيّة، بينما ركّزت العمل في الضميدة وعرب النّعيم نادرة أبو دبي سعدي. يلخّص هذا التّقرير المسار مع كلّإنجازاته، بناء على المقابلات الشّخصيّة للنّساء . أمّا المرحلة الثّانية والتي هدفت لدعم النّساء وتعزيز فاعليتهنّوتأثيرهنّ في مجال التّنميةالصّحّيّة المجتمعيّة والعمل الجماهيريّ والاجتماعيّ وانخراطهنّ في مواقع اتّخاذ القرارات والذي أعدّته السيّدة جهينة حسين، فيخصّص له الجزء الأكبر من الكتاب، والذي يوثّق مسار البحث الإجرائيّ ونتائجه ويقدّم التّوصيات المستقبليّة.

وعلى الرّغم من أنّ البحث هو أساس هذا الكتاب، إلاّ أنّنا كلّنا حكاية - فحكايتنا في مركز الطّفولة نسجها تاريخ شعبنا والمشاركة الفاعلة لما يقارب 30 عامًا من العمل مع النّاس ولأجلهم. وحكاية القرى غير المعترف بها وصمودها هي جزء من حكاية صمودنا في هذا الوطن، هي جزء من حكاية الفلسطينيّين الباقين في أرضهم والذين أصبحوا أقلّيّة وطن. وحكاية النّساء في القرى التي اعترف بها هي توليفة من هذه الحكايات جميعها فكلّنا حكاية.

من نحن؟

مؤسّسة حضانات النّاصرة جمعيّة نسائيّة مستقلّة، لا تهدف إلى الرّبح المادّيّ، تأسّست عام 1984 في مدينة النّاصرة بمبادرة من نساء نشيطات في العمل السياسيّ والمجتمعيّ رأين ضرورة تشجيع النّساء للخروج من البيت والمشاركةفي تطوير مجتمعهنّ عبر توفير أطر داعمة لهنّ.

رأت المؤسّسة ومنذ تأسيسها أهمّيّة التركيز على مجالي الطّفولة والنّساء، إذ نعتبرهما لبنة التّغيير المجتمعيّ الأولى. ولا نعتبر هذا تنقيصًا من أهمّيّة المجالات الأخرى بل على العكس، فنحن نؤمن بأهمّيّة التّكامليّة بين المجهودات المختلفة للوصول إلى مجتمع أفضل لجميع أبنائه وبناته.

ويهدف عملنا مع النّساء في مجتمعنا إلى دعم المرأة للإنخراط في المجالات المختلفة في المجتمع، كذلك العمل على تغيير اجتماعيّ يعيد التّوازن، ويوزِّع المسؤوليّة بشكل متساوٍ في العائلة وفي المجتمع. والمسار الأخير هذا هو مسار تغيير اجتماعيّ يحتاج إلى سنوات عديدة من العمل على عدّة مستويات.

نعي بأنّنا نعيش في مجتمع متعدّد الاحتياجات ومتغيّرها يفتقد إلى بنى تحتيّة أساسيّة، نتيجة لما واجهناه من هدم وتشريد خلال النّكبة سنة 48 وما تبعها من سياسات تمييزيّة للحكومات المتعاقبة في الدّولة الموجّهة لزعزعة ما تبقّى من أسس المجتمع الفلسطينيّ. لكن هذا لا ينفي طبعًا دورنا لتغيير الوضع القائم في هذا المجتمع، لذلك نحن كأشخاص مهنيّين/ات في هذا المجتمع، نحثُّ أبناءه وبناته والشّخصيّات المسؤولة والمؤسّسات العاملة فيه على أخذ دورهم/نّ الفعّال لإحداث التّغيير الضّروريّ والملحّ في الوضع القائم.

طموحنا في مركز الطّفولة مؤسّسة حضانات النّاصرة هو الوصول إلى بنية تحتيّة مجتمعيّة داعمة خالية من: العنف، العنصريّة، الفقر وجميع أشكال التّمييز. نحن نبغي الوصول إلى مجتمع يعتزّ بهويّته ويسعى لضمان حقوق كلّ أفراده إناثًا وذكورًا.

هدفنا الاستراتيجيّ هو تطوير وتعميم نهج نسوي شموليّ تكامليّ تحرّريّ في مجال الطّفولة المبكرة والمرأة ومن أجل التّكافل المجتمعيّ. ونسعى إلى تحقيق ذلك عبر استخدام الاستراتيجيّات التّالية: تطوير القدرات والبُنى التّحتيّة والموارد، مرافعة محلّيّة ودوليّة، مناصرة مجتمعيّة، أبحاث نسويّة، فعّاليّات جماهيريّة واحتجاجيّة، احتفاء بالمرأة وإنجازاتها، تجنيد موارد محلّيًّا وعالميًّا وتشبيك.

حكاية مشروع تدعيم النّساء في القرى المعترف بها حديثًا

ابتدأ العمل في مشروع تدعيم النّساء في القرى المعترف بها حديثًا ضمن مبادرة قطريّة في العام 2003، وبالتّعاون مع مؤسّسة هاينرخ بول بادرت عدّة جمعيّات بسواقة مركز مساواة للحصول على دعم لمشاريع نسائيّة في القرى غير المعترف بها في الجنوب والقرى المعترف بها حديثًا في الشمال من السّوق الأوروبيّة. وقد اعتمدنا خلال هذا المشروع فكرة التّخطيط المشترك وطلب التّمويل المشترك. بينما قامت كل مؤسّسة بأخذ المسؤوليّة لتنفيذ مهامها لمدّة ثلاث سنوات مموّلة بشكل مشترك من المؤسّسة الألمانيّة هاينرخ بول والسّوق الأوروبيّة المشتركة. وتوكّلت كل جمعيّة برصد 25% من تكلفة المشروع من مؤسّسات دعم أخرى، إذ تموّل السّوق الأوروبيّة 75% فقط من ميزانيّة المشروع، لذلك كانت هنالك حاجة لتمويل 25% من مصادرنا الخاصّة. لقد اقتطعنا هذا الجزء من التّمويل المقدّم لنا في حينه من مؤسّسة فورد، التي دعمت عملنا بشكل عام غير مرتبط بمشروع محدّد لسنوات عديدة.

كانت هذه المرحلة بالنّسبة لنا في مركز الطّفولة مرحلة أوّليّة، وبسبب النّجاحات، ارتأينا أهمّيّة الاستمرار في العمل في القرى وحصلنا من أجل ذلك على دعم المؤسّسة الألمانيّة مزاريو وصندوق الدّعم متان. وفي المرحلة الأخيرة من صندوق هيلينج أكروس ذا ديفايدس الأمريكيّة. وهكذا فقد استطعنا الاستمرار في العمل من العام 2003 ولغاية 2011. وهي فرصة قلّما تتوّفر للجمعيّات الأهليّة بسبب سياسة التّمويل المتّبعة في غالبيّة الصّناديق والتي ترغب في رؤية نتائج (غالبًا كمّيّة) سريعة. أمّا نحن في مركز الطّفولة فإنّنا نرى أنّ التّغيير المجتمعيّ والتّمكين الجماهيريّ هما عبارة عن مسارات تحتاج إلى فترة زمنيّة ودعم طويل الأمدّ، ويعتبر هذا من التّحدّيات الأساسيّة في استمرار عملنا في القرى المعترف بها حديثًا إذ لا يوجد لدينا مصادر دخل خاصّة بنا (كوننا مؤسّسة غير ربحيّة). وقد طوّرنا استراتيجيّات متنوّعة للتّعامل مع هذا التّحدّي:

قبل انتهاء الدّعم من السّوق الأوروبيّة بسنة، بدأنا العمل على تجنيد أموال من السّوق الأوروبيّة ومن صناديق أخرى. وعندما وجدنا صعوبة، فقد قمنا بتقليص عدد الموظّفات والوقت المخصّص للعمل في القرى كي نستطيع الاستمرار والمتابعة.

قسّمنا عملنا إلى برامج جزئيّة، وبحثنا عن دعم لهذه البرامج، لكنّنا حافظنا على رؤيتنا الدّاخليّة للعمل في القرى كمشروع طويل الأمدّ وعلى نهج العمل الشّموليّ التّكامليّ التّحرّريّ.

بحثنا عن شركاء في الحقل بشكل مستمرّ يمكنهم دعم العمل حتى ولو بشكل جزئيّ (لجان محلّيّة، مؤسّسات قطريّة،..).

ونحن إذ نعرض هنا المشروع والحكاية فنحن نعرضها بشكلها المتكامل من البداية وحتّى النّهاية.

مراحل العمل

المرحلة الأولى: تخطيط وتجنيد الموارد

تطلّبت المرحلة الأولى عملاً مشتركًا بين المؤسّسات الشّريكة والمؤسّسة الحاضنة للطلب، أي مؤسّسة هاينرخ بول. تمّ تقديم الطّلب باسم مساواة وبشراكة المؤسّسات الأخرى. أهمتحدّيات هذه المرحلة أنّ السّوق الأوربيّة تتبنّى نمطًا تخطيطيًّا محدّدًا يتطلّب تعيين الخطوات العينيّة ونتائجها. ونحن نتبنى نمطًا تخطيطيًّا مرنًا ليتسنّى لنا مراعاة التّحدّيات التطبيقيّة، فإنّ التّخطيط المسبق للمشروع كان تحدّيًّا أساسيًّا، خاصّة وأنّنا نعمل بنهج تحرّريّ، يعتمد مشاركة أصحاب الشّأن في التّخطيط والتّنفيذ والتّقييم.

كما وأنّ التّخطيط المسبق اعتمد على معرفتنا نحن وما توفّر لدينا من مصادر من أبحاث لجنة الأربعين في حينه. وجميع هذه المصادر كانت تركّز على البعد السياسيّ للقضيّة، ممّا أدّى لمحدوديّة المعرفة التي كانت ممحورة بعدم الاعتراف، في حين أنّه عند البدء بالعمل في القرى فإنّ معرفتنا غدت شموليّة سياسيّة، اجتماعيّة، ثقافيّة، اقتصاديّة، جغرافيّة وتاريخيّة.

شاركت مديرة مركز الطّفولة ومجندّة الموارد في التّخطيط وكتابة طلب الدّعم، وعليه فإنّ طاقم العمل والذي اختير لاحقًا لم يكن أيضًا شريكًا في التّخطيط، واحتاج إلى وقت للتّعرّف على نهج العمل في مركز الطّفولة وعلى خطّة المشروع وتذويته وتملّكه.

المرحلة الثّانية: بدايات

اخترنا في هذه المرحلة مركّزة للمشروع، السيّدة نسرين مزّاوي، والتي بدورها بدأت بمسار اختيار القرى، بالتّعاون مع لجنة الأربعين ومع لجنة المشروع في المركز، والبدء في بلورة العلاقة مع اللّجان المحلّيّة. وبما أنّ عملنا يبني على ما هو قائم فكان المهمّ لنا أن ندخل إلى القرية بالاتّفاق مع المؤسّسات القائمة هنالك، لذلك توجّهنا في البداية إلى لجنة الأربعين للشّرح عن المشروع وتجنيدهم لدعمنا في المسار. واخترنا سويّة 5 قرى ورافقونا في اللّقاءات الأولى مع اللّجان المحلّيّة في كلّ من هذه القرى، أو على الأقلّ للقاء مع رئيس اللّجنة المحلّيّة في كلّ قرية بهدف التّعرّف الأوّليّ على القرية. وبدأنا التّحضير للعمل مع النّساء في 5 قرى اعترف بها مؤخّرًا. وقد وقع الاختيار على الحسينيّة، الضّميدة، عرب النّعيم، الكمّانة ورأس العين. غير أنّنا وجدنا معارضة من اللّجنة المحلّيّة في رأس العين، وحتّى بعد تدخّل لجنة الأربعين. كما ووجدنا أنّ قرية الكمّانة التي كنا قد تعاملنا معها كقرية واحدة أصبحت قريتين بحكم سياسة "فرق تسد" التي استخدمتها السّلطات، وبحكم الاستيطان في الأراضي المصادرة من القريتين، لذا ولكوننا نتعامل مع الواقع عملنا مع الكمّانة الشّرقيّة والغربيّة كقريتين. ومن الجدير ذكره أنّ الكمّانة اليوم تتوزّع على خمسة تجمّعات سكنيّة غير مرتبطة ببعضها البعض نتيجة الإستيطان . بدأنا في هذه المرحلة أيضًا الاستعداد للمرحلة الثّانية. فبحسب المخطّط الأوّليّ كنّا قد خطّطنا لإيجاد منسّقات من القرى للعمل في المشروع، لكنّ واقع النّساء في القرية وواقع الصّراعات بين العائلات المختلفة جعلنا نغيّر الخطّة، وقرّرنا الاستعانة أوّلاً بطالبات للقيام بمسح القدرات، وثانيًا بدأنا البحث عن منسّقات للمشروع. قامت مركّزة المسح د. هالة اسبانيولي بتدريب الطّالبات للقيام بالمسح بمرافقة مركّزة المشروع نسرين مزّاوي.

المرحلة الثّالثة: التّواصل وبناء الثّقة

تهدف لاستمرار التّواصل وبناء الثّقة مع اللّجان المحلّيّة، والبدأ بلقاءات فرديّة مع كلّ النّساء في كلّ قرية. فقد خرجت الطّالبات إلى الحقل وزرن كلّ البيوت لتعريف النّساء بالمشروع والتّعرّف على قدرات النّساء. نقطة الإنطلاق هنا كانت البدء من القدرات وليس من الاحتياجات كما سيرد لاحقًا. وفي هذه الأثناء تسنّى لنا البحث عن مركّزات للعمل في القرى، وقد اختيرت السّيّدة راوية لوسيّا شمّاس للعمل في الحسينيّة والكمّانة الشرقيّة والغربيّة، بينما ركّزت العمل في الضّميدة وعرب النّعيم السّيّدة نادرة أبو دبي سعدي.

المرحلة الرّابعة: بلورة مجموعة نسائيّة فعّالة

دعوة كلّ نساء القرية للقاء أوّليّ بحضور الطّالبة والمركّزة، وعرض نتائج المسح الأوّليّ والمشروع بشكل عام، ودعوة النّساء للانضمام إلى مسار لقاءات أسبوعيّة لبلورة مجموعة نسائيّة فعّالة تنتهي بتطوير مشروع يرغبن فيه في كلّ قرية. وقد ابتدأ العمل في المجموعة ولمدّة سنة ونصف إلى سنتين مع مجموعات من النّساء في كلّ قرية اخترن الانضمام للمشروع. أثمرت في نهايتها عن إقامة اتّحادات نساء في كلّ قرية. عقدنا في نهاية هذه المرحلة أيّام تخطيط استراتيجيّ لكلّ اتّحاد لاختيار مشروع يلائم القرية، وتخطيط الخطوات والفعّاليّات العمليّة لتنفيذه. ونفّذت كلّ مجموعة مشروعًا جماهيريًّا في قريتها، كان عبارة عن فتح مكتبة ومركز إثراء أدير على يدّالنّساء وهدف لتعزيز التّواصل بين الأمّهات وأولادهنّ، ومنح الأطفال فرصة لم تتوفّر سابقًا لقضاء وقت آمن في هذا المركز، والاستفادة من خدماته غير المنهجيّة. وأنهينا المرحلة بحفل افتتاحي لمراكز الأمّ والطّفل ونواة لمكتبة استعارة دعيت إليه القرية بأكملها رجالاً ونساءً وأطفالاً، لتعلن النّساء عن بدء تفعيل المراكز. ولكلّ مركز حكاية خاصّة.

المرحلة الخامسة: افتتاح المراكز

كان افتتاح المراكز نهاية التّمويل الأوّل، لكن بالنّسبة لنا وللنّساء كان هذا بداية العمل الجماهيريّ. فبعد أن تركّز العمل في المراحل السّابقة مع النّساء أنفسهنّ فإنّه في هذه المرحلة بدأت النّساء بالعمل الجماهيريّ من خلال المراكز، لذا فقد تميّزت هذه المرحلة بدعم النّساء لتطوير العمل في المراكز المختلفة الّتي افتتحتها النّساء.

المرحلة السّادسة: استدامة العمل

الهدف هنا كان ضمان استدامة العمل في القرى وتذويت قيم التّنمية المجتمعيّة، ومسؤوليّة النّساء في هذه القرى للعمل الجماهيريّ. وبعد أن توفّرت لنا فرصة تمويل جديد في مجال الصحّة، عملنا على الدّمج بين العمل الجماهيريّ الذي بدأ في العام 2003 والتّدعيم الصّحّيّ، وطوّرنا المشروع لتعزيز قدرات النّساء وفاعليّتهن وتأثيرهنّ في مجال التّنمية الصّحّيّة المجتمعيّة والعمل الجماهيريّ والاجتماعيّ، وانخراطهنّ في مواقع اتّخاذ القرارات. وشملت أيضًا توثيق التّجربة والتّعلّم من تجربتنا عن طريق البحث إلاجرائي الماثل أمامكم.

تمّ البدء بتنفيذ مشروع التّمكين والتّدعيم الصّحّيّ في سنة 2009. الانتقال للعمل في موضوع صحّيّ وانضمام أشخاص للجنة التّوجيه بما في ذلك المموّل الجديد أحدث بعض النّقاشات حول منهجيّة العمل، فكون المشروع صحّيًّا جعلنا نبحث عن مركّزة جديدة من مجال الصحّة، ورغبتنا في البناء على قدرات النّساء وما تراكم لديهنّ من مهارات في العمل الجماهيريّ حثّنا على الاستمرار في نهجنا للتّدعيم الجماهيريّ. حاولنا أن نجد مركّزة ذات توجّه صحّيّ جماهيريّ فلم نتوفّق، لذا فضّلنا استمرار إحدى المركّزات التي عملت في المشروع منذ البداية، وانضمت إلى الطّاقم ممرّضة لتضفي البعد الصّحّيّ على المشروع. لم ننجح في الدمج وكان من المهمّ البحث عن مركّزة تستطيع الدّمج ما بين الصحّة والتّدعيم الجماهيريّ. وهذا البحث أدّى إلى تباطؤ المشروع وجعله في مرحلة حرجة، كما وأنّ التّمويل لم يكن كافيًا للعمل في القرى الخمس، وكان علينا الاختيار أين نستمر. اختارت لجنة المشروع في المركز استمرار العمل في الضميدة والحسينيّة، وقد أنهينا العمل في الضميدة بعد إجراء دورة أوّليّة في مجال أهمّيّة الحركة والغذاء السّليم، واستمر العمل في الحسينيّة والكمّانة الشّرقيّة والغربيّة .

نهجنا

ارتأى مركز الطّفولة العمل، بنهجه التّحرّريّ الشّموليّ والتّكامليّ، على تنفيذ مشروع يهدف لتمكين وتدعيم النّساء الفلسطينيّات المهمّشات والقاطنات في القرى التي اعترف بها مؤخّرًا في الجليل، ودعمهنّ للكشف عن قدراتهنّ، وتمكينهنّ بغية وضع الخطط التي تمكّنهن من أخذ المسؤوليّة الذاتيّة والجماهيريّة والمشاركة بالتّنمية العامّة في قراهنّ.

يرتبط نهجنا ويستند إلى الكثير من الأدبيّات العالميّة، وترتبط بشكل وثيق مع التّوجّه الإبداعيّ لباولو فريري Freire, P. (1985) خلال عمله مع المسحوقين في أمريكا اللاتينيّة، والمعروف باسم التّوجّه التّحرّريّ. لكن كانت لنا صيغة جديدة لتوجّهنا مبنيّة على تجاربنا المنبثقة من واقعنا المتميّز. كان توجهنا نتاج ما اطّلعنا عليه وما تراكم لدينا من معارف مختلفة محلّيّة وعالميّة، والأهمّ من ذلك أنّه أيضًا نتاج مسار مشاركتنا لهذه المعارف مع بعضنا والنّساء اللاتي خطون في مسارات التّدعيم المختلفة في مركزنا واللاتي وافقن على إسماع أصواتهنّ التي مكّنتنا من إعادة صياغة المقروء والمصنوع بناءً على ما قاله فريري نفسه "فالقراءة هي كتابة جديدة للمقروء".

وقد لخّص نهجنا في كتيّب خاصّ أفتتح بالمثل الصينيّ القديم: "أطعمني سمكة فسوف أشبع، وعلّمني الصّيد فلن أجوع أبدًا". ويعتبر هذا النّهج والتّوجّه حجر الأساس والمرشد في مسارات عملنا مع مجموعاتنا المختلفة.

تخطيط، تنفيذ، تقييم وإعادة التّخطيط

لتحقيق أهداف المشروع اتّبعنا منهجيّة التّقييم المبلور والتّخطيط المستمرّ، فلجنة المشروع في المركز رافقت المركّزات في الحقل وخطوات التّنفيذ، وكنَّ يقيّمن ويدعمنّ ويغيّرنّ

التّخطيطات بحسب المستجدّات في الحقل، ويضمن التّمويل للمشروع، يتشاركن في التّخبّطات والمعضلات خلال العمل ويطوّرن أدوات للتّعامل مع التّحدّيات. وقد ذكرت بعض هذه التّغييرات سابقًا كالتّغيير الذي حدث في تحديد القرى الخمس التي سنعمل معها. هذه الطريقة دعمتنا في التّعلّم المستمرّ ودمج تعلّمنا ضمن خططنا المستقبليّة بشكل دائم، فعلى سبيل المثال لاحظنا أنّنا النّساء يُحضرن أحد رجال القرية لعرض تاريخ القرية كلّما حضر زائر أو مموّل، ولدى الاستفسار عن الأمر قالت النّساء إنهن لا يعرفن التّاريخ بما فيه الكفاية، وكان التّساؤل ماذا نعمل في الأمر. فتمّ اقتراح أن تجمع النّساءالتّاريخ الشّفويّ للقرية، بينما عملت المركّزات على تنقيح وطباعة هذا التّاريخفي كرّاسة بعنوان "كما ترويه نساؤها"، وزّعت على الأهالي كلّهم. ولكون الرّاويات من النّساء فقد جاء التّاريخ مغايرًا ليس فقط في البعد السياسيّ بل شمل بعدًا جغرافيًّا، وبعدًا ثقافيّا إنسانيًّا ومجتمعيًّا، أي أنّالتّاريخ الذي كتبته النّساء كان شموليًّا.

إضافة إلى أنّه حينما فكّرنا في ماهيّة المشاريع التي نرغب في العمل عليها، لم تتوفّر لدى النّساء أفكارًامتنوّعة، لهذا فقد خطّطنا لجولات ميدانيّة إلى مركز الطّفولة وإلى الجولان، وحيفا والنّقب لتتعرّف النّساء على ما هو قائم في المجتمعات المحلّيّة المختلفة، وكانت هذه سابقة جمعت نساء القرى الخمس سويةوساهمت في بلورة رؤية النّساء حول أن قضيّتهم ليست شخصيّة بل سياسيّة ومشتركة للعديد من القرى.

في مرحلة لاحقة، عندما بدأنا العمل على موضوع الصحّة أقمنا لجنة توجيه مركّبة من طاقم العمل في المركز ومن أصحاب مهن خارجيّين ذوي خبرات في العمل مع هذه الفئة من المجتمع. قامت اللّجنة بدراسة الموضوع ووضعت خطّة عمل مع نساء القرى الخمس. وانتقل هذا النّهجإلى النّساء في القرية، فعضوات الاتّحاد تابعن منهجيّة التّشارك والتّشاور والتّخطيط المستمرّ لعملهنّ.

لهذا فإنّ العمل الجماهيريّ تمّ باستخدام نهج تدعيميّ تحرّريّ يضع النّساء في المركز، ويشاركهنّ في جميع المراحل من التّخطيط والتّنفيذ والتّقييم. فقد شاركت النّساء في جميع المراحل من بلورة الحلم إلى تحليل الواقع وتخطيط المسار، التّنفيذ والاستشفاف والتّقييم والتّوثيقبغية التّعلّم من التّجربة وتعزيز المهارات لسواقةالتّغيير المجتمعيّ.

وهذا مسار غير محدّد بفترة زمنيّة بل سيرورة لعمل دينامي يتأثّر بعدّة عوامل ومنها إمكانيّات وقدرات مجموعات الهدف، خصوصيّة المجتمع الذي تتواجد به تلك النّساء ومدى التأثيرات الاجتماعيّة، الاقتصاديّة، الصّحّيّة والسياسيّة الذي يمرّ بها مجتمعهنّ.

تخطيط مَرِن ومبلور

إنّ تبنّينا لهذه المبادئ، فرضت مرونة في التّخطيط وحاجة إلى التّفكير في إعادة التّخطيط بشكل مستمرّ. فكنّا نخطّط، ننفّذ، نقيّم التّنفيذ وسياقاته ونعيد التّخطيط إن احتاج الأمر ذلك. وفي مرحلة لاحقة، تبنّت النّساء التّخطيط المرن المعتمد على المستجدّات في القرية. فقد بادر اتّحاد النّساء إلى برامج عديدة لم تكن من ضمن الخطّة، كافتتاح صفّ لتعليم الكبار، دورة تمكين اقتصاديّ، دورة في اللّغة العبريّة لتمكّنهنّ من التّواصل الأفضل مع موفّري الخدمات الصّحّيّة من المجتمع اليهوديّ والمتواجدين في الجهاز الطّبّيّ، ودورة تدريب للتّعامل مع الحاسوب. كما ووزّعت حقائب ومنح بسيطة لأولاد العائلات المستورة (من خلال دعم مجتمعيّ من متبرّع كريم). ولقد عملت النّساء مع اللّجنة المحلّيّة لتجنيد الأموال لتعبيد شارع القرية للحدّ من الغبار المنبثق، وكلّ ما يمكن أن يسبّب مشاكل صحّيّة في جهاز التّنفّس. وقد عبّرت النّساء في الاستطلاعات الأولى عن حاجاتهنّ لشارع، وكنّا قد وضّحنا في حينه أنّنا لم نأتِ لسدّ حاجات بل لتدعيمهنّ للبحث عن الطّرق وتبنّي الاستراتيجيّات التي من الممكن أن توصلهنّإلى حاجاتهن. وقد استطاعت ّالنّساء تحقيق حلمهنّ بشارع معبّد داخل البلد، من خلال وضعه على جدول أعمالهن .

تفاعل جدلي بين عوامل متنوّعة

ينطلق نهجنا من فهمنا للتّفاعل الجدلي ما بين العوامل المتعدّدة المؤثّرة على مكانة المرأة في المجتمع الفلسطينيّ في البلاد. فالمرأة الفلسطينيّة بدويّة كانت أم فلاّحة أومدنيّة، تسكن قرية أو مدينة أو قرية غير معترف بها تتأثّر بـ:

سياسات الدّولة المميّزة تجاه الأقلّيّة الفلسطينيّة في البلاد، والأولويّات التي تحدّدها "ديمقراطيّة ويهوديّة الدّولة".

سياسات الدّولةالمميّزة تجاه النّساء عامّة في الدّولة، وأولويّات التّسلّح والعسكرة فيها، وخاصّة تجاه النّساء الفلسطينيّات.

والسّياسات المجتمعيّة داخل المجتمع الفلسطينيّ، والأولويّات التي يحدّدها المجتمع البطريركيّ وقوى المحافظة البطريركيّة والدّينيّة.

والتّفاعلات (من تناقض، تنافر وتقاطع..) المعقّدة ما بين هذه العوامل مجتمعة.

وعليه فإنّنا نعتقدبأنّ أيّ تغيير من المهمّأن يأخذ جميع هذه العوامل وتفاعلاتها بعين الاعتبار.

عملنا يستند إلى النّاس

نحن نؤمن بأنّ التّغيير المستدام (المتّسم بالدّيمومة) ممكن عندما يستند إلى النّاس، يحمله ناسه (رجاله ونسائه). فتمكين النّاس (نساءً ورجالاً) من أخذ الأمور إلى أيديهم وسواقة مسار التّغيير الذي يريدون الوصول إليه هو مسار متعدّد الخطوات، لكن ليست جميع الخطوات حتميّة فهي مرتبطة بالوضعيّة الخاصّة للمجتمع المحلّيّ ومقوّماته الأساسيّة.

فالتّدعيم (التّمكين) (Empowerment) هو مسار له ركائزه الفكريّة، أوّلها - الوعي بوجود قوّة معيّنة أساسيّة (power) لدى الفرد أو المجموعة أو المجتمع. هذه الرّكيزة تدحض الاعتقاد السّائد بوجود مجموعتين: خبراء أصحاب الحكمة والمعرفة، والنّاس العاديّين "الجهلة"، إذ يقلب التّوجّه التّدعيميّ هذا المفهوم رأسًا على عقب، ويعيد الاعتبار للفرد أو للجماعة صانعي الحكمة الشّعبيّة والمعرفة النّاتجة عن التّجارب الحياتيّة، ويضع هذه المعرفة تحت المجهر تمامًا، كما يضع المعلومات الأخرى. فكل المعارف قابلة للفحص وللتّجديد وللتّدقيق وإعادة الصّياغة أيضًا.

فالتّدعيم هو مسار تسهيل، فهو يسهّل عمل الفرد أو المجموعة من أجل زيادة قدرتهم على التّحكّم في الأحداث التي تحدّد مجرى حياتهم. والتّدعيم هو تمكين الفرد أو المجموعة من استكشاف القدرات والتّعرّف عليها وتقويمها، وتشجيعهم على الإيمان بهذه القدرات واكتشاف الطّاقات الكامنة فيها.

لا توجد "وصفة جاهزة" للتّدعيم، فهو يحدث بطرق مختلفة وفي جميع المجالات، إنه عمليّة دائريّة تسهم في التّغيير المجتمعيّ. ومن المهمّأن يكون التّدعيم شموليًّا تكامليًّا أيضًا يعمل على: التّدعيم الفرديّ، التّدعيم النّسويّ والتّدعيم المجتمعيّ. فالتّدعيم النّسويّ المستدام مهمّأن يكون جزءًا من التّدعيم المجتمعيّ العامّ، فالعمل مع النّساء يشمل المجتمع بأكمله، النّسويّة للجميع (نساءً ورجالاً ومجتمعًا بأكمله). فالتّدعيم يحدث ضمن سياق تاريخي سياسيّ مجتمعيّ اقتصاديّ. وعليه فمن النّقاط التي ميّزت نهجنا التّدعيميّ في القرى.

تطوير خطاب القدرات بدل خطاب الحاجات - الانطلاق من القدرات

اعتمد النّهج في العمل منذ البداية على التّركيز على القدرات، نقاط القوّة، والبناء على ما هو موجود (Wallace&Lahti,2005)، البدء من القدرات وليس من الحاجات، إذ أنّ الحاجات كثيرة وبعضها بمسؤوليّة مؤسّسات الدّولة أو مؤسّسات الحكم المحلّيّ. ونحن لا نرغب في أن نسدّ الفراغات النّاتجة عن عدم توفير الدّولةأو الحكم المحلّيّ لهذه الحاجات. فهدفنا تعزيز قدرات النّاس (النّساء في هذه الحالة) على أمل تفعيلها لإحقاق حقوقهنّ.

نقطة الإنطلاق في عملنا الجماهيريّ اعتمدت على قدرات النّساء. بدأنا بسؤال النّساء عنها ووجدنا أنّ لدى النّساء قدرات متعدّدة، لكنّها بالغالب غير معرّفة (لا يتمّ إدراكها كقدرة ولا يوجد لها اسم) فاهتممنا بتدعيم النّساء للتعرّف عليها، تسميتها واستخدامها في الحيّزالحياتيّ (الحيّزين الخاصّ والعام) أي في الحيّزالجماهيريّ. وبذلك عزّزنا خطاب القدرات بدل خطاب الحاجات السّائد في برامج التّنمية المختلفة.

ينطلق توجّهنا التّدعيميّ من قدرات النّساء والإيمان بوجود هذه القدرات وتمكينهنّ لاكتشافها وتجنيدهنّ لحلّ قضاياهنّ بذواتهنّ، وبناء على ما ترتأي كلّ منهنّ. مع الأخذ بالاعتبار أنّ كلّ امرأة تحدّد قدراتها ومدى رغبتها في استعمال هذه القدرات، ولها الحرّيّة في تحديد وتيرة المسار. فهي ذاتها أكبر مختصّ في الخطوات التي ترغب في سيرها. المهمّ هو فتح أبواب الاختيار دون تحديد الباب الذي عليها أن تدخل منه . النّساء يقدن التّغيير، يحدّدن الوتيرة والطريقة،إذ أنّهنّ من يَعشن حكايتهنّ، ومن يدفعن الثّمن أو يقطفن الثّمر.

تطوير خطاب الحقوق ليحلّ محلّ خطاب الضّحيّة:

تذوّت المجتمعات المهمّشة في كثير من الأحيان خطاب الضّحيّة، وتتمركز في عرض المشاكل التي تواجهها بكونها ضحيّة، ويترافق ذلك في قبول لهذا الدّور والاستسلام للظّروف، ويتبنّى سرديّة مذوّتة للدّونيّة وتعزّز دور الضحيّة، بينما يعزّز النّهج التّدعيميّ خطاب الحقوق، حقوق الإنسان والمواطن، حقوق المرأة والطّفل ويدعم المبادرة لإحقاق الحقوق. يعزّز النّهج التّدعيميّ الحقّ للصّوت وللتّفكير وللحضور في البيت والمجتمع.

تعزيز خطاب الهويّة بدل خطاب الشّرذمة

من تبعات سياسة "فرّق تسد" استخدام الدّولة الاختلافات الطّبيعيّة للشّعب الفلسطينيّ وعزّزتها لتصبح خلافات. فبدل التّعدّديّة التي تميّز بها الشّعب الفلسطينيّ بكونه شعبًا مركّبًا من دروز ومسلمين ومسيحيّين، ومن حضَر وفلاّحين وبدو، أصبحت هذه الانتماءات الطّبيعيّة فئويّة وأصبحنا نعرّف بانتماءاتنا الضّيّقة بدل انتمائنا الأوسع. وبدل أن نحتفي بالتّنوّع القائم داخل الشّعب الواحد ونرى غنى هذا التنوّع، ذوّتنا خطاب الشّرذمة وأصبحنا نستخدمه فيما بيننا أيضًا، حتّى وصل بنا الأمر إلى خلافات حتّى داخل الحمولة، وأصبحت هذه الشّرذمة علامة مميّزة، لذا يعزّز نهجنا التّدعيميّ خطاب الهويّة، الهويّة الإنسانيّة والوطنيّة ويحترم الاختلافات.

الرّبط بين الشّخصيّ والسياسيّ وجعل السياسيّ شخصيًّا

النّظام الأبويّ والأنظمة السياسيّة المختلفة تروّج للفصل ما بين السياسيّ والشّخصيّ. وهي بذلك تروّج للتّعامل الفردي مع القضايا المختلفة. بينما ركّزت المفكّرات النّسويّات على الرّبط بين الشّخصيّ والسياسيّ، ممّا جعل النّساء تتضافر لتغيير البنى المجتمعيّة والسياسيّة التي فرضت عليهنّ لسنوات عديدة، ممّا حوّل التّعامل مع العديد من القضايا التي كانت تعتبر شخصيّة إلى قضايا سياسيّة. فاليوم من المعروف أنّ تعنيف النّساء ليست قضيّة شخصيّة بل هي مجتمعيّة سياسيّة. ومعروف أنّ ختان البنات ليس قضيّة شخصيّة بل مجتمعيّة سياسيّة ومعروف أنّ هدم المنازل، وظاهرة القرى غير المعترف بها هي سياسيّة أيضًا. العمل مع النّساء عزّز قدرتهنّ على الرّبط ما بين الشّخصيّ والسياسيّ، وجعل السياسيّ شخصيًّاعندما أخذت النّساء دورًا فعّالاً في التّعامل مع هذه القضايا، وعندما وجّهت الطّاقات لتغيير وتطوير المجتمع.

الحصانة الذاتيّة للفرد وللمجموعة

تعزيز الحصانة متعدّد الأبعاد ويتناول الحصانة الوطنيّة، وحصانة الهويّة، والحصانة الصّحّيّة، والحصانة النّفسيّة والحصانة القيميّة، إيمانًا منّا بأنّ لكلّ فرد في المجتمع توجد قدرات خاصّة به، فإنّ تعزيز حصانته الذاتيّة تجعله قادرًا على حماية نفسه من كلّ ما يؤثّر عليها سلبًا، تجعله يؤمن بقدراته الشّخصيّة والذاتيّة الكامنة بداخله، بجسده، بنفسه، بروحه وبعقله لذلك فإنّ تزويده بالآليّات ستساعده على اكتشاف وتعزيز قدراته. وهذه القدرات ستجعله مبدعًا بغي ةالتّغيير الإيجابيّ الذّاتيّ. ولكي نضمن الاستدامة مهمّأن يرافق ذلك حصانة جماعيّة للمجموعة تضمن الدّعم المتبادل والتّكافل المجتمعيّ ومواجهة الضّغوطات الخارجيّة وعيًا منّا بأنّالنّساء لا يعشن بفضاءات متخيّلة بل بفضاءات معيشيّة يتفاعلون بها ومعها، ومع من حولهن من رجال ونساء، ويتأثّرون منها وبها. لذا ولضمان التّغيير المجتمعي من المهمّ تعزيز الحصانة والتّكافل داخل المجموعة ليستطعن إحداث التّغيير المجتمعيّ المرجوّ.

موضوع يهمّ النّاس

يمكننا البدء بموضوع، أي موضوع، يهمّ النّاس (كموضوع الصحّة بهذا السّياق)، فالمهمّ في اختيار الموضوع أن يكون باهتمام النّاس. هذا الاهتمام يشكّل بالنّسبة لنا نقطة الانطلاق، إذ يكون الاهتمام دافعًا للتّفاعل والعمل من أجل إحداث التّغيير المرغوب فيه من النّاس. نبدأ من نقطة معروفة، لكن الطّريق والنّهاية فهي ملك للجماعة وهنّ المسؤولات عن صياغتها وبلورتها وتنفيذها، فالنّساء يقدن التّغيير.

توازن ما بين القائم والتّغيير

الرّغبة في التّغيير مهمّأن تُعمل بتوازن مع ما هو قائم. فمن أجل التّغيير من المهمّأن نحترم المعرفة التّقليديّة الموروثة القائمة لدى النّساء، وننطلق منها. فالاعتراف بالمورث الثقافيّ الغنيّ يعتبر الخطوة الأولى لدعمهنّ لاستخدامه في حياتهنّ اليوميّة. وهذا المسار في بعض الأحيان يحتاج إلى إعادة الثّقة بالمعارف الموروثة: منحها اسمًا، تملّكها واستخدامها بشكل يلائم الواقع الحاليّ، أي تغيير ما يحتاج إلى التّغيير وتثبيت الآخر. كما وإنّ ضمان الشّفافيّة المجتمعيّة والسّعي لاطّلاع المجتمع على المسارات الّتي تمرّ بها النّساء.

تحدّيات

رافق مسار العمل تحدّيات عديدة، فمن طبيعة المسارات طويلة الأمدّأن يتخلّلها تحدّيات جمّة أهمّها:

الواقع المتخيّل والواقع الحياتيّ

عندما قرّرنا العمل في القرى غير المعترف بها أو المعترف بها مؤخّرًا كانت معرفتنا في الأساس سياسيّة. وكجزء من هذا الشّعب اطّلعنا على نضال القرى بسواقة لجنة الأربعين من أجل الاعتراف بها، وشاركنا في حملات التّضامن والاحتجاج على أوضاع القرية. لهذا فإنّ معرفتنا تمركزت بهذا الجزء التّاريخيّ من القضيّة، وتبيّن لنا بعد العمل في القرى أنّ الواقع الحياتيّ هناك معقّد ومركّب أكثر من الواقع المتخيّل الذي بنيناه لأنفسنا، وهذا تحدٍّ رافقنا في جميع المسارات في القرى. فعلى سبيل المثال في إحدى القرى، وعلى الرّغم من أنّ القرية بأجمعها من جد واحد، كانت الشّرذمة الدّاخليّة قد منعت في بعض الأحيان الإخوة وأولاد العمّ من الحديث مع بعضهم البعض. في الواقع المتخيّل كنّا نعتقد بأنّ البلد واحد وأنّ القضيّة واحدة، وعليه فإنّ أفضل طرق النّضال هو النّضال الموحّد، لكن الواقع المعاش الحياتيّ أظهر اختلافات في المصالح والتي أصبحت خلافات. ففرض التّحدّي علينا ممّا اضطّرنا لاستخدام آليّات جديدة لضمان استمرار المجموعة ولضمان العمل المشترك.

الثّقة والتّشكيك

كان أوّل همّنا لدى دخولنا إلى القرية أن نعمل على بلورة الثّقة، ليس فقط مع النّساء بل مع القرية كلّها. واهتممنا بمشاركة كلّالنّساء في القرية في المسارات المتنوّعة، كما وضمنّا حتلنة السواقة المحلّيّة في المسارات المختلفة. وعلى الرّغم من الشّفافيّة المجتمعيّة (كاستراتيجيّة) غير أنّ محاولات التّشكيك ظلّت قائمة غير أنّ حدّتها تقلّصت بعض الشّيء. إحدى هذه التّشكيكات نالت موضوع التّمويل والصّرف، فدعونا القيادات المحلّيّة وشاركناهم في مسارات التّمويل والصّرف المذكورة أعلاه مع تقديم الكشوفات الماليّة اللازمة. يبقى التّشكيك وسيلة لكلّ من لا يؤمن بأنّ هنالك مؤسّسات تعمل من أجل التّغيير المجتمعيّ داخل شعبنا، ويبقى التّشكيك لدى كل من لا يؤمن بأنّنا كلّنا حكاية وحكايتنا واحدة على الرّغم من الألوان في داخلها.

المجتمع البطريركي

التّعامل بتوجّه مَرِن ومفتوح مع الرّجال في المجتمع، جعلنا نكسب حلفاء من الرّجال الدّاعمين في القرية في بعض الأحيان، فيقوم أحدهم بتبرّع بكرفانة الخاص لتستخدمه النّساء كمركز إثراء، ويقوم آخر بالتّبرّع ببيت كامل للنّساء، بينما يشارك رجال آخرون في ترميم الكرفان والبيت. ويحتفي رئيس اللّجنة المحلّيّة بالنّساء بأحد الاحتفالات ليقول "المجتمع الذي يبني على قدرات نسائه ورجاله هو مجتمع معافى". لكن التّحدّي يبقى مع البنى البطريركيّة التي تكرّس الفصل بين النّساء والرّجال والتي تحدّد أدوارهنّ وأدوارهم في المجتمع، هذه البنى البطريركيّة تحتاج إلى أجيال وراء أجيال من أجل تحطيمها، والتي ما زالت تشكّل تحدّيًا كبيرًاأمام النّساء والرّجال الذين يرغبون ويسعون لبناء مجتمع متكافل بقدرات نسائه ورجاله.

 
 
 

תגובות


Featured Posts
Recent Posts
Search By Tags
Follow Us
  • Facebook Classic
  • Twitter Classic
  • Google Classic

 

 

 

 

FOLLOW ME

  • Facebook Classic
  • Twitter Classic
  • c-youtube

© 2023 by Samanta Jonse. Proudly created with Wix.com

bottom of page