تعامل الأطفال مع الموت
- 4 בפבר׳ 2015
- זמן קריאה 13 דקות
أحد الموضوعات الحسّاسة والصّعبة للتّعامل- لكلّ من يعيش ويعمل مع الأطفال- هو كيفيّة إدراك الأطفال للموت، وكيفيّة تعاملهم مع ظاهرة الموت. فنحن كراشدين لدينا رغبة شديدة في حماية أطفالنا، خاصّة، من معايشة مظاهر معقّدة وصعبة للفهم كالموت. فالموت فاجعة وهو حدث حزين ومؤلم، نحاول أن نبعدهم عن المرور بها. ونحاول بقدر الإمكان أن يعيشوا في عالم آمِن يخلو من الألم المرافق لتجربة صعبة، كالموت. ولكن مهما كانت هذه الرّغبة لدى الرّاشدين طبيعية ومفهومة، غير أنّها في غالبيّة الأحيان غير واقعيّة.
يبدأ الأطفال الانكشاف على مصطلح الموت والتّعرّف إليه، والتّعامل معه في مسار نموّهم الطبيعي. فمنذ بدء الكلام يزداد اهتمام الطّفل/ة وحبّ استطلاعه/ا بشكل عام. فالاهتمام والتّعامل مع مصطلح الموت هو جزء لا يتجزّأ من حب الاستطلاع الطّبيعي لدى الأطفال، ويرتبط ارتباطًا وثيقًا مع أسئلة أخرى تهمّهم، مثل كيف ولدوا، أو الرّغبة في التّعرّف على حقائق الكون مثل كيف تنتهي الحياة. ومن المهمّ التّذكّر أنّ إدراك الطّفل للموت يختلف عن إدراك الرّاشدين.
يصادف غالبيّة الأطفال- حتّى جيل ثلاث أو أربع سنوات- الموت إمّا كتجربة مباشرة: موت حيوان داجن يعتنون به، أو موت قريب متقدّم بالسّنّ، وفي بعض الحالات الصادمة موت قريب من الدّرجة الأولى. وحتّى من لم يعايش الموت بشكل مباشر، فإنّه قد يتعرّض له من خلال وسائل الإعلام، ألعاب الحرب المعروفة لدى الأطفال في هذا العمر.
الموت صعب وفجائيّ علينا كبالغين، وموت أحد الأقرباء هو من أصعب التّجارب التي يمرّ فيها الإنسان في حياته، إذ أنّ الحدث يعني الانفصال النّهائيّ عن شخص نحبّه، ومتعلقين به. عادة يكون الانفصال الجسديّ فوريًّا، بينما مسار الانفصال العاطفيّ يكون طويل الأمد، بمرافقة مشاعر مختلفة كالحزن، الألم، الذّنْب، الخسارة، الاشتياق للميت، الغضب على الشّخص الميت أو على الأسباب التي أدّت لموته.
لهذا فمن المتوقع أن يكون تعامل الأطفال مع الموت صعبًا أيضًا. سنستعرض كيفيّة إدراك الأطفال وتعاملهم في الجيل المبكر مع مفهوم الموت، كمظهر من المظاهر النّمائيّة، ثمّ سنتطرّق لكيفّية تعامل الأطفال مع الموت عندما يعايشونه بشكل مباشر حينما يفقدون شخصًا عزيزًا عليهم.
ردود فعل الأطفال على الموت
إنّ ردّ الفعل النّفسيّ والعاطفيّ لدى الأطفال هو كرّد الفعل لدى لكبار، إلاّ أنّ الكبار يميلون إلى عدم الاهتمام بمساعدة الصّغار على التّعامل والتعايش مع هذه الحالة. فغالبًا ما لا يعترف الكبار بحاجات الطّفل العاطفيّة، ولا يسمحون له بأن يحزن بطريقته الخاصّة على من فقدهم من أقربائه.
وفي أحيان كثيرة، يواجه البالغون أسئلة الطّفل بالتّجاهل أو التّهرّب أو باعتبار أنّ الإجابة هي "تابو"، لاعتقادهم بأن الحديث عن الموضوع قد يضرّ الطّفل/ة كونه لا يستطيع التّعامل مع هذه الحالة الصّعبة، أو لأنّه لن يفهم معنى الموت المعقّد. لذلك نراهم يحاولون صرف انتباه الطّفل/ة وإشغاله/ا بأمور أخرى.
إنّ كيفيّة تقبّل الطّفل لخبر الموت، وأسلوب تعبيره عن الحزن، كلّها تتأثّر بعدّة عوامل منها: عمر الطّفل، نضوجه العاطفيّ، مدى قربه من المتوفّى وظروف الوفاة. لهذا من المهمّ التّعامل الفرديّ مع كلّ حالة على حدة، خاصّة أنّ الأطفال لا يعرفون كيف يعبّرون عن مشاعرهم مثلما يفعل الكبار.
الأطفال حتّى ثلاث سنوات
من المعروف أنّ الأطفال حتّى عمر السّنتين لا توجد لديهم قدرة لإدراك مفهوم الموت. وفي عمر الثّلاث سنوات يستصعبون إدراك مفهوم الموت. فهم يدركونه كحالة من الانفصال أو الهجر، ولا يدركون كونه سرمديًّا وأنّ الشخص الميت لن يعود. لكنّهم يشعرون بما يشعره الآخرون. فالطّفل في عمر شهور قد يشعر بحالات الضّغط عند الوالدين، وغالبا ما تظهر لديه مظاهر ضغط خاصّة به كردّ فعل على ما شعره حيال الأشخاص المعتنين به، كالبكاء المستمرّ ومشاكل في النّوم أو الأكل.
أهمّ العوامل المؤثّرة في مثل هذه الحالات هي الأمّ أو الشّخصيّة الرّاعية للطّفل/ة. فإنْ وفّرنا للطّفل/ة الشّعور بالأمان، وحافظنا على الرّوتين اليوميّ سنخفّف عنه/ا. فإذا حدث أن فقد الطفل أحد والديه مثلاً وهو في جيل مبكر، فإنّه يستطيع أن يميّز غيابه ويتفاعل مع التّغييرات الحاصلة في البيت بعد الموت، لكن وعلى الرّغم من ذلك فإنّ العناية الخاصّة بالطّفل والتي تشبع حاجاته الجسديّة والعاطفيّة مِنْ شخص قريب أخر (أب أو أم ، جد أو جدّة، أو أقرباء آخرين) ستسهم في منحه الشّعور بالاستمراريّة وضمان التّوازن في حياته اليوميّة. وإنْ كان هنالك خلل بالتّوازن فقد تظهر مظاهر متنوّعة كصعوبة النّوم، تعلّق زائد بالرّاشد، عصبيّة زائدة، نكوص في السّلوكيّات، فقدان الشّهيّة.
3-5 سنوات
غالبيّة أطفال السّنتين إلى الخمس سنوات لا يدركون أنّ الموت يحدث للجميع، حتّى أنّهم بأنفسهم سيتعرّضون للموت في مرحلة ما. فقط في عمر السّادسة، يدرك الأطفال أنّ مصير كلّ حيّ أن يموت، وأنّه لا عودة من الموت. لكنّهم يعتقدون بأنّهم إنْ كانوا "أطفالاً شاطرين" فلن يموتوا. في عمر العشر سنوات، ومع تجارب الحياة، يفهم الأطفال معنى الموت كما يفهمه الكبار.
إنّ إدراك مفهوم الموت مرتبط بالتّطوّر الذّهنيّ للأطفال والطّفلات. فطّفل ابن الثّالثة لا يفهم معنى الموت، وقد يظنّ أنّ الموت داء معد قد يصيب شخصًا ما في العائلة أو قد يصيبه هو. وقد يظنّ أنّه مرض مؤقّت يمكن الشّفاء منه. ولكن غالبية المتخصّصون يعتقدون بأنّ مظاهر الحداد والفقدان التي تظهر لدى أطفال الثّالثة، شبيهة جدًّا بالمظاهر التي تظهر لدى الرّاشدين، خاصّة إنْ كان الفقيد شخصيّة قريبة من الطّفل/ة كأحد الوالدين، وعندها قد يظهر لديهم خوف شديد من فقدان الوالد الآخر. يتميّز الأطفال في هذا الجيل بالأنويّة (أي تمركزهم بأنفسهم) وبتأثير الموت عليهم، لهذا يكون الحداد ليس على الميت فقط بل على التّغييرات الفجائيّة في بيئتهم وفي روتينهم اليومي وأمنهم.
الطّفل ابن الرّابعة قد يعبّر عن قلقه بعد سماعه الخبر، مثل أن يقول "من سيحضّر لي الأكل ومن سيرافقني إلى الرّوضة". إنّ الطّفل الذي لا يعي سرمديّة الموت قد لا يظهر أيّ ردّ فعل ويواصل لعبه، وقد يحزن.. لكنّه سرعان ما يواصل لعبه لأنّه على قناعة بأنّ الشّخص القريب/ أحد الوالدين سيعود.
غالبًا ما يتعامل أطفال هذا الجيل مع الموت كانفصال مؤقّت، يصعب عليهم إدراك حقيقة أنّ الموت حالة غير قابلة للتّغيير. فالعديد منهم يشبّهون الموت بالنّوم، ويعتقدون بأنّ الميت سيستفيق من الموت كما يستيقظ هو من نومه. وقد نراهم يخلطون بين الانفصال المؤقّت كسفر الأهل في رحلة وبين الموت الذي تتوقف معه كلّ مسارات الحياة من مشاعر، أفكار، حركة، احتياجات. ونجدهم يتحدّثون عن الميت وكأنّه ما زال يشعر " أكيد هو حزين، يحتاج أن يأكل،...". وقد نراهم يقومون بسلوكيّات تمكّن الميت من الرّجوع إليهم، كإبقاء الباب أو الشّبّاك مفتوحا، ينادونه، يعيدون طقوسًا كانوا يقومون بها مع الفقيد قبل موته.
لا بدّ من التّنويه إلى أنّ طرق التّعامل مع الموت تختلف من طفل إلى آخر. فمنهم من ينغلق على ذاته، ومنهم سيتعلّق بالرّاشد لدرجة شديدة ويطالبونه بالبقاء إلى جانبهم. ومنهم من سيعود إلى مرحلة نمائيّة سابقة، كمصّ الأصبع. وهناك من يفقد الشّهيّة أو يفقد الرّغبة في النّوم أو قد يحصل العكس، فيأكل بشكل زائد أو ينام كلّ الوقت. ومنهم من سيظهر عليه الحزن والألم، ومنهم من يستمرّ بوتيرة حياته الطّبيعيّة. كلّ هذه المظاهر وغيرها من مظاهر طبيعيّة وشرعيّة، ومن المهمّ ان نوفّر للطّفل/ة إمكانيّة للحداد بطريقته الخاصّة ولا نحكم على سلوكيّاته، لكن إن تفاقمت إحدى هذه السّلوكيّات أو استمرّت طويلاً فمن الضّروريّ التّوجّه لشخص مهنيّ.
الأطفال في عمر 5-9 سنوات
يستوعب الأطفال في هذا الجيل فكرة أنّ الموت سرمديّ، وجميع الكائنات الحيّة ستموت يومًا. لكنّهم لا يعتبرون أنّ الموت يخصّهم، فقد يجسّدون الموت كشبح أو هيكل عظميّ، أو أيّ شيء آخر بصريّ. قد يكونون في حاجة إلى الاستماع إلى ما حدث بصورة متكرّرة، وقد يسألون الأسئلة نفسها حول وفاة الشّخص، ويأخذون المعلومات بطريقة واقعيّة جدًّا، لكن قد لا يعرفون كيفيّة التّعالم معها. قد يحاولون فهم سبب الموت، لأنه بمرحلة نمائية يفهمون بها السّببيّة. ولدى استيعابهم لمفهومي الثّواب والعقاب، فقد يرون بالموت عقابًا لهم، ممّا قد يسبّب المخاوف أيضًا. وطفل في جيل أكبر قد يشعر بالخوف من المستقبل، وهذا الطّفل يستطيع الحِداد.
يختلف الأطفال الصّغار عن الكبار في الحداد والتّأقلم. فبماذا يختلفون؟
اللغة:
في جيل مبكر، تكون لغة الأطفال غير متطورة بقدر كافٍ، ممّا يصعّب عليهم التّعبير عن حدادهم بكلمات، والتّعبير عن مشاعرهم المرافقة للحداد، والتّوجّه إلى آخرين لطلب الدّعم والمساعدة. لهذا من المهمّ أن نوفّر لهم عددًا من الطّرق للتّعبير كالرّسم واللعب والرّقص.
قدرتهم على الفهم
يصعب على الأطفال الصّغار إدراك معنى الموت كونه سرمديا. فهم يعايشون تجربة غير معروفة وفيها بلبلة تؤثّر على كلّ من حولهم. يدرك الأطفال بشكل محدّد علاقة السّبب بالنّتيجة، خاصّة تلك المتعلّقة بالموت. فإن مات شخص مريض في المستشفى، قد يربط الطّفل بين المستشفى والموت. ويعتقد بأنّ الذّهاب إلى المستشفى يرافَق بموت ويطوّر شعور الخوف من الذّهاب إلى المستشفى أو إلى الطّبيب. غالبًا، تكون تجارب الطّفل مع الموت محدودة ممّا يزيد من صعوبة فهم الظّاهرة. لهذا هنالك من يوصي بالاستفادة من التّجارب التي توفّرها الحياة من موت حيوان أو صرصار أو حتّى نملة للحديث عن الموت مع الأطفال كي يفهموا تدريجيًّا لهم معنى الموت. فإنْ سُمح للطّفل بالتّعبير عن إحساسه تجاه الموت والإجابة عن تساؤلاته وإشباع حبّ الاستطلاع لديه عن حالات الموت، وشرح ماهيّة الموت بصورة تلائمه، خاصّة في الحالات التي يكون فيها الطّفل هادئًا ومحبًّا للمعرفة، يمنحه ذلك تحصينًا قد ينفعه إن توفّي فرد من معارفه.
الكثافة
على النّقيض من الرّاشدين، لا يستطيع الأطفال قضاء وقت طويل بالبكاء والحداد، لهذا فإنّهم يكونون ما بين الحزن والرّوتين. وهذا الأمر قد يفهمه الكبار على أنّه حالة إنكار أو عدم فهم للموت عند الطّفل/ة. وفي الحقيقة يكون تعامل الطّفل مع الموت والفقدان متلائمًا مع موارده النّفسيّة ومستوى نموّه.
مسار التّأقلم
يتميّز مسار التّأقلم لدى الرّاشد كونه يمرّ بمراحل، بينما يكون مسار الحداد لدى الأطفال دائريَّا. ففي كلّ مرحلة عمريّة يعايش الطّفل الموت بشكل مختلف، ويمكن لشعور الفقد أن يظهر في مراحل نمائيّة لاحقة عنده. لهذا من المهمّ أن ندرك- نحن الرّاشدين- ذلك ونكون على استعداد للتّعامل مع مظاهر الحداد لدى الأطفال، كلّما ظهرت أو عادت للظّهور حتّى وإنْ كان أطفال الأسرة الآخرين في مراحل أخرى. فمسار تذويت الفقدان لدى الطّفل دائريّ، والطّفل بحاجة إلى أن يعود إليه كلّما انتقل إلى مرحلة جديدة. لا يعبّر كلّ الأطفال عن مشاعرهم كلاميًّا، فمنهم من لا يتمكّن من التّعبير، وهناك من يخاف من أذيّة أشخاص آخرين يحبّهم. من المهمّ أن نعرف ماذا نتوقّع من الأطفال والطّفلات في الأجيال المختلفة كي ندعمهم بشكل يتلاءم مع نموّهم.
مظاهر الحداد
هنالك اختلاف من طفل إلى آخر بوتيرة الحداد ومظاهره. فمن الممكن أن يترافق الحداد بمظاهر غريبة كنسيان الموت، سماع صوت الشّخص الميت وخطواته. ومن المظاهر الشّائعة التي تميّز ردّ فعل الأطفال والطّفلات على للموت:
مخاوف:
في هذه المرحلة، يمنح الأطفال صفة إنسانيّة لكلّ من حولهم. كذلك يتعاملون مع الموت كذات خارجيّة تصل إلى النّاس وتأخذهم. وعلى الغالب تكون أسباب الموت غير واضحة لهم، ولا الفرق ما بين المرض العاديّ والمرض العضال. عدم الوضوح هذا قد يؤدّي إلى: مخاوف أن يموتوا هم أو أن يموت شخص قريب منهم، عدم الرّغبة في الانفصال عن الوالدين، أن يكونوا قريبين من البالغين والبالغات.
أسئلة متكرّرة
ينشغل الأطفال بتكرار الأسئلة، حتى وإن تلقّوا إجابة مفصّلة عنها. ويميلون إلى التّمركز بالتّفاصيل العينّية: "كيف مات بالضّبط؟" "من أيّ مرض؟" "ما الفرق بين هذا المرض والأمراض الأخرى؟" هذا ومن المهمّ أن يحصل الأطفال والطّفلات، بهدوء وصبر، على إجابة مفصّلة في كلّ مرّة يسألون سؤالاً، فهذه هي طريقتهم لإدراك الموت والتّعايش معه.
غضب
قد يوجّه الطّفل نوبات غضبه على الشّخص الميت الذي تركه، وقد يوجّه غضبه إلى الوالد الآخر أو إلى أشخاص آخرين حوله. وهذا الغضب هو انعكاس لمشاعر البلبلة والعجز وعدم السّعادة ولوم النّفس التي يشعر فيها الطّفل.
الشّعور بالذّنب
من المشاعر التي تظهر لدى الشّخص في مرحلة الحداد الشّعور بالذنب. هذا الشّعور قد يكون حادًّا جدًّا لدى الأطفال الصّغار في جيل ثلاث إلى ستّ سنوات، حيث يتميّز الأطفال في هذا الجيل بالتّفكير الأنويّ (يدركون العالم وكأنّه يدور حولهم)، ويعتقدون، في بعض الأحيان، أنّهم يستطيعون السّيطرة على العالم. واعتقادهم هذا غالبًا ما يكون إيجابيًّا ويوفّر لهم أمانًا ويشعرهم بقدراتهم. ولكن في حالة الموت قد يوصلهم تفكيرهم الأنويّ إلى استنتاجات ومشاعر صعبة جدًّا. فالطّفل الذي أغضب أمّه، وفي اليوم التّالي توفّيت في حادث طرق، قد يشعر بأنّها ماتت لأنّه كان طفلاً شرّيرًا. والطّفلة الغاضبة من جدتها المريضة والتي تمنّت موتها في سرّها، قد تعتبر نفسها مسؤولة عن موتها. وفي مرّات، قد يحاول الطّفل إعادة الميّت بسلوكيّاته كأن يحاول أن يكون "طفلاً جيّدًا" دائمًا. أو قد يعبّر عن رغبته في الموت كي يكفّر عن ذنوبه ويلتقي بالميت من جديد. هذه كلّها مشاعر ترافق الطّفل على الغالب، لهذا مهمٌّ توفير المعلومات الدّقيقة له والتّشديد على أنّ ما حدث ليس ذنبه.
تقلّب في المزاج
من هدوء وانغلاق على الذّات إلى انفجارات غضب وبكاء، عدم القدرة على التّركيز لفترات طويلة، مشاكل اجتماعية كأن يغدو الطّفل مشاغبًا كي يجذب الاهتمام، تدهور الأداء الدّراسيّ أو تجنّب الذّهاب إلى المدرسة.
مشاكل جسديّة
خاصّة اضطرابات في النوم أو الأكل؛ قد يرفض الطّفل الطعام ويفقد شهيّته أو يفرط في الأكل، مشاكل في الهضم (أوجاع بطن، إسهال، تقيّؤ)، يصعب عليه النّوم أو يعاني من الأحلام المزعجة والكوابيس، حاجته للنوم أو الأرق، يعاني من صداع أو آلام المعدة، مشاكل في التّنفّس، حساسيّة في الجلد، وغيرها.
النّكوص لمراحل نموّ سابقة، والعودة إلى سلوكيّات مميّزة للمرحلة السّابقة
يعود الأطفال إلى سلوكيّات كانوا قد فطموا منها في مرحلة سابقة، كمصّ الأصبع والتّبوّل اللا إرادي، ممّا يزيد من الضّغط فإضافة لمشاعر الفقد تظهر مشاعر الخجل من هذه السّلوكيّات.
مراحل الحداد
يمرّ الطفل والرّاشد بمراحل الحداد وكل مرحلة تترافق بسلوكيّات مميّزة للمرحلة. تبدأ هذه المراحل بتلقّي الخبر إلى حين العودة للحياة العاديّة اليوميّة الرّوتينيّة. هذه المراحل عند الأطفال دائريّة ومرتبطة بمراحل تطوّرهم.
مرحلة الصّدمة:
تبدأ مع تلقي خبر الموت. وفيها عدّة مراحل، إذ ينتقل الإنسان من الإنكار- وهي وسيلة دفاعيّة تساعد الشّخص على فهم ما حدث- إلى الغضب، حيث يرتبط الشّخص مع الواقع على الرّغم من أنّه يرفض تقبّله.
تكون ردّة الفعل عند الأطفال حادّة، وتتنوّع من "عدم وجود ردّ فعل" إلى ردّة فعل قويّة" تترافق، في بعض الأحيان، بتفعيل وسائل دفاعيّة طفوليّة: "غير صحيح، هو لم يمت"، يرفضون الاستماع ويصرّون على أنّ الرّاشد يكذب عليهم "غير صحيح، أنت تكذب"، يتصرّفون وكأنّ شيئًا لم يكن. غالبًا ما يكون الرّاشدون في هذه المرحلة منشغلون بأنفسهم وبحدادهم، ويفسرون ردود فعل الطّفل على انه غير مهتمّ بما يجري، على الرّغم من أنّ واقع الأمر يقول أنّه مهتمّ ويستخدم وسائل دفاعيّة ملائمة له.
إنّ مرحلة الحداد في مجتمعنا والمجتمعات الأخرى جاءت لدعم أهل الفقيد/ة وتخطّي مراحل الفقد من إنكار الحدث- كردّ فعل أوّل- إلى " لماذا حدث هذا لي؟"، إلى كلام الفاقدين/ات عن الموت وسببه وحيثيّاته يدركون الحدث ويتقبّلونه ويعايشونه. أمّا الأطفال في مجتمعنا فلا يحصلون على هذا الاهتمام حتّى من أهمّ المقرّبين لهم ولهنّ، وذلك لردود أفعالهم التي لا يفهمها الكبار.
مرحلة تذويت الفقدان: التّعامل مع الفقدان وتعميقه، بما في ذلك الحديث عن الميت، العودة إلى صوره، زيارة القبر. في هذه المرحلة قد تظهر ردود فعل حادّة وتعبير عن غضب، شعور بالذّنب، تلويم، اكتئاب، حزن شديد، أوجاع، أحلام وكوابيس، بكاء واشتياق. تترافق هذه المشاعر بفهم للفقدان وتوابعه، ممّا يسهم في تذويت الحدث. قدرة الطّفل على الحداد مرتبطة بقدرته على فهم الموت. يحتاج الرّاشد إلى فهم وإدراك ردود فعل الطّفل/ة ليستطيع تقديم الدّعم المناسب له/ا.
مرحلة إعادة التّنظيم: التّعوّد على الفقدان وإدراك حقيقة فقدان الشّخص القريب هو مسار تأقلم لوضع جديد. وهذا مسار مستمرّ يرافق تطوّر الأطفال، فيعودون إليه عدّة مرات في مسار حياتهم.
دعم الأطفال
بعكس الرّاشد القادر على طلب المساعدة والدّعم، يستصعب الأطفال ذلك ويكتفون بما نقدّمه نحن لهم من دعم ومساعدة. ينشغل الرّاشدون الذين فقدوا شخصًا عزيزًا بمشاعرهم وبفقدانهم وغالبًا ما لا يتفرّغون للاهتمام بأطفالهم الصّغار، لهذا من المهمّ أن يهتمّ الرّاشدون الآخرون كالمربّية في الرّوضة، الأصحاب، أفراد العائلة الموسّعة بالأطفال الصّغار من خلال قضاء الوقت في الإنصات لهم واللعب معهم. ومن المهمّ الأخذ بعين الاعتبار أنّ لكلّ طفل وتيرته الخاصّة وطرقه الخاصّة للتّعامل مع المواقف الصّعبة .
إعلام الطّفل/ة:
من المهمّ إعلام الأطفال في عمر الثّلاث سنوات فما فوق عن الوفاة مباشرة. ومن المهمّ أن يكون الشّخص الذي ينقل الخبر مقرّبًا جدًّا من الطّفل/ة. ويمكن تحضير هذا الرّاشد على يد اختصاصيّ. هذا الإعلام سيمكّن الطّفل/ة لاحقا من السّؤال وللفهم. ومن المهمّ توقّع ردود فعل متنوّعة كما ذكرنا، لهذا من المهمّ أن نمنح شرعيّة لردّ فعل الطّفل/ة (مهما كان) وتوفير جوّ من الأمان كي يعود إلينا بالتّساؤل وفق وتيرته الخاصّة.
عند الإعلام مهمّ أن يتمّ نقل الخبر بكلمات واضحة، حيث تُطرح الأمور كما هي، لا أن يُقال للطّفل مثلاً: "جدّك الآن موجود بالسّماء" أو أنّ "أمّك سافرت بعيدًا جدًّا وستتأخّر". من المهمّ أن نؤكّد على أن الموت نهائيّ، ونوضّح سببه ومكانه. ومن المهمّ أن نتذكّر أنّ عدم إعطاء الطّفل إجابات حقيقيّة قد يسبّب ضائقة نفسيّة له. فمثلاً عندما يقال للطّفل إنّ جده في السّماء فمن الممكن أن يتخيل الجدّ يسقط عند نزول المطر، أو إذا قيل للطّفل أنّ الميّت يحسّ فهذا يجعل الطّفل يفكر بأنّه يشعر بالحرّ والبرد والخوف فيزيد من قلقه عليه. كما وإنّ الإفراط في الشّرح قد يخيف الطّفل ويؤدّي به إلى عالم من الكوابيس.
من المهمّ التّأكيد على أنّ الأمر صعب للجميع، وهناك أهمّيّة بالغة لمنح الطّفل إمكانيّة للتّعبير عن مشاعره، وتحضير الطّفل لموضوع أنّكم ستكونون مشغولون في الجنازة وما يرافقها، وأنّكم ستتفرغون للإجابة عن كلّ الأسئلة الّتي يسألها. والإجابات تحصّن الطّفل وتعزّز قدراته على مواجهة الفقدان، ومن المهمّ أن يعتمد الأهل على الحديث المباشر مع الطّفل، ومساعدته لترتيب أفكاره بكلّ ما يرتبط بالموضوع، ولهذا نخفّف من مخاوفه ونجنّبه الدّخول في متاهات نفسيّة وفكريّة.
من المهمّ أن نمنح الطّفل من جيل أربع سنوات فما فوق، فرصة الوداع، بموافقة الأهل ورغبته هو، كالتّواجد وقت الجنازة، كي يتعامل مع الموت ويتقبّله ويدرك مفهومه. ومن المهمّ القيام بذلك بعد شرح وافٍ للطّفل وبحضور العائلة القريبة فقط، لأنّه لا يمكننا السّيطرة على ردود فعل جميع الّذين يحضرون الجنازة عمومًا. ومن المهمّ التّحدّث مع الطّفل بعد الجنازة حول ما حدث وحول إحساسه.
معلومات صحيحة ولغة واضحة
من المهمّ توفير المعلومات الصّحيحة عن الموت للطّفل/ة، واستخدام كلمة "الموت". محاولة الإنكار أو تفادي الحديث عن الموت يزيد من تفاقم المظاهر المرافقة من مخاوف وبلبلة لدى الطّفل/ة. كما وأنّ تفسيراتنا المغلوطة لا تسهم في دعم الطّفل على التّعامل مع الموت، بل قد تسبّب عدّدا من المشاكل. فعندما نفسّر للطّفل حدث موت جده على أنّه رحلة طويلة، سيزيد تفسيرنا من بلبلته ولن يساعده على فهم الفرق بين انفصال مؤقّت وانفصال دائم مرافق للموت. وقولنا للطّفل "جدّتك راحت على السّما" سيبلبله، وقد يباشر البحث عنها في العلا أو قد يخاف السّفر في الطّائرة لاعتقاده بأنّ السّفر في السّماء هو لقاء مع الموت.
الملاءمة مع نموّ الأطفال والطّفلات
في هذه المرحلة لا حاجة لإعطاء الطّفل كلّ التّفاصيل، لكن من المهمّ أن يكون كلامنا حقيقيًّا وإجاباتنا واضحة. ومن المهمّ أن يكون الطّفل قادرًا على إدراك المعلومات التي نقدّمها.
من المهمّ التّذكّر أنّ عالم الخيال لدى أطفال الثّلاث إلى أربع سنوات غنيّ جدًّا، وعندما يشعرون بأنّنا نخفي عنهم الحقيقة فإنّهم يميلون إلى سدّ الفجوات عبر عالم الخيال. وتخيّلات الأطفال قد تكون مخيفة وسيّئة أكثر من الواقع. لهذا فإنّ الأجواء الحواريّة ستساعدنا على الحديث عن المشاعر مهما كانت صعبة، وتدريجيًّا ندعم الطّفل على التّحرّر من مشاعر الذّنب.
أجواء حواريّة: مرجعيّة للطّفل/ة
إنّ الأجواء الحواريّة المتقبّلة والمشارِكة للطّفل/ة تمكّننا من تعزيز مكانتنا كمرجعيّة له/ا للتّخبّط والتّساؤل، لهذا من المهمّ أن نؤمّن له/ا أجواء تمكّنه/ة من استشارتنا وسؤالنا.
وللتّلخيص يمكننا دعم الطّفل/ة إنْ استطعت أن:
1. تكون صادقًا وصريحًا وواضحًا ما أمكن عند التّحدّث معه/ا عن حقيقة الموت. وحاول تبسيط المعلومات بشكل يتلاءم مع مرحلة نموّه.
2. تحدّث بلغة واضحة واستخدم الكلمات الدّالة على الحدث "جدك مات (توفّى)" وليس "ذهب الى السّماء"
3. لا تتجنّب الحديث عن الموت إنْ سألك/سألتك عنه. وإنْ لم تعرف الإجابة عن بعض الأسئلة، كن صريحًا وأخبره/ا. بيّن له/ا أنّه يستطيع أن يحزن ويبكي، دون أن يكتم مشاعره.
4. كن بالقرب منه/ا في الأوقات الصّعبة، وامنحه/ا كلّ الحبّ والأمان والرّعاية اللازمة.
5. عبّر عن مشاعرك تجاه الفقدان، وشاركه/ا بمشاعرك كي تمنحه الإحساس بأنّ مشاعره دون الإفراط فيها.
6. ساعده/ا على إيجاد سبل للتّعبير عن مشاعره/ا عبر اللعب بأنواعه، الرّسم، وكتابة رسالة أو قصّة أو قصيدة.
7. أتح له/ا وقتًا للحديث وطرح الأسئلة والتّعبير عن مخاوفه/ا. قد يلتبس عليه الأمر ويـ/تطرح الكثير من الأسئلة. إنْ كنت لا تستطيع القيام بهذه المهمة، استعن بشخص آخر تربطه علاقة وثيقة به/ا. إنْ كان الطّفل لا يتحدّث عن فقده، فلأنّه قد يكون غير مرتاح للتّحدّث عن الموضوع، ولا تزال مشاعره مشوّشة ويشعر بالخوف. قد تجيب عن السّؤال نفسه أكثر من مرّة حتّى يفهم ما حدث.
8. وضّح له/ا أنّه/ا غير مسؤول/ة عن الموت.
9. إشرح له/ا ما سيحدث في الجنازة، وعن العادات المرافقة للموت في مجتمعنا (بشكل يتلاءم مع نموّه/ا) وامنحه/ا خيار المشاركة.
10. إلتزم بالرّوتين اليوميّ لأنشطة الطّفل/ة قدر المستطاع، لأنّ ذلك سيمنحه/ا الأمان. فالتّغييرات الكثيرة في البيت ستضيف المزيد من الضّغوط. إنّ مكوث الطّفل في بيئته البيتيّة مع فرص لقضاء وقت مع أصحابه (خلال النّهار وعندما يكون الرّاشدون مشغولين في طقوس العزاء)، لكن مهمّ أن ينام في البيت معكم.
11. حاول أن تخبر كلّ الذين من حول الطّفل/ة كالمربّية أو المربّية بما يمر عليه/ا حتّى يتمكّنوا من مساعدته/ا.
12. تذكّر أنّ الأطفال يحزنون في نوبات، ولديهم ردود فعل خاصّة، ووتيرة خاصّة. وهم يدركون أنّ الموت فقد كبير لهم، لكنّهم قد يُظهرون حزنهم بشكل مختلف.
13. يمكن أن يقول طفلك أنّه شاهد المتوفى أو تحدّث معه، وأنّه بخير أو أنّه سيكون قريبًا منه/ا. لا تسخر ممّا يقوله، فهذا شكل طبيعيّ لحزن الأطفال، إذ تحدث لهم حالة هلوسة سمعيّة أو بصريّة. ويقول الخبراء أنّ هذه الهلوسة قد تساعد الطّفل/ة على الشّعور بالّراحة.
14. لا تتجاهل حزنه/ا، لأنّ ذلك سيزيد من الزّعزعة العاطفيّة التي يـ/تشعر بها.
15. شجّعه/ا على التّذكّر وتبادل الذّكريات.


תגובות