رؤية تربويّة عربيّة للطّفولة المبكرة: 2013
- 28 בינו׳ 2015
- זמן קריאה 6 דקות
يقول رضا محمّد جواد إنّ الحضارة أرحام الفكر التّربويّ. والفكر التّربويّ هو أداة الحضارة ووسيلتها في تخليد ذاتها، وضمان انسيابها وتناقلها عبر الأجيال. فبمحض أن تعي حضارة ما ذاتها، تحرص على حماية تلك الذّات "
وعينا لأهمّيّة التّربية في تطوير الذّات الحضاريّة والبحث عن أنجع الوسائل لإحداث التّغيير الإجتماعيّ (التّنمية)، الّذي يمكّننا من جعل رؤيتنا واقعًا معاشًا، يدفعنا للإسترشاد بهذه الرّؤية وبلورة الفكر التّربويّ والنّهج الّذي يسهم في هذا التّغيير. يضيف رضا محمّد جواد "عندما تعي الحضارة ذاتها يتولّد التّفكير بالتّربية، ويولد معه القلق الخلاّق على التماس خير الوسائل وأجداها في حفظ (تطوير) الذّات الحضاريّة، أيّْ يبدأ التّفكير في التّربية".
وعليه فقد تولّدت الحاجة لدى مجموعة من المتخصّصات والمتخصّصين العرب الّذين تجّمعوا في فضاء ورشة الموارد العربيّة إلى التّعمّق في الفكر التّربويّ العالميّ والعربيّ والإرتكاز على بعض المساهمات المبكرة الّتي تبنّت أفكارًا وممارسات تربويّة مشاركة والتّعامل النّقديّ مع موروثنا بكونه تجربة مدعّمة تعيد الثّقة بأنفسنا وبجذورنا وتؤسّس بالوقت نفسه للإنطلاق لتوليد معارف جديدة.
نتج عن هذا المسار التشاركيّ الجمعيّ والذي شارك به مجموعة من سبعة بلدان عربيّة، رؤية تربويّة عربيّة للطّفولة المبكرة، تمثّلت ب "النّهج الشّموليّ التّكامليّ في رعاية وتنمية الطّفولة" . وثّقتاه د.جاكلّين صفير وجوليا جاكلّيس ضمن دليل تدريبيّ.
جاءت صفة "شمولي" الواردة في المصطلح إقرارًا بأهمّيّة المبدأ الّذي يشير إلى أن الطّفل كائن واحد موحّد. للطّفل حاجات متنوّعة ومهمّة بجوانبها كافّة، وهي تتداخل فيما بينها وتؤثّر على بعضها البعض. وأمّا صفة "االتّكامليّ" الواردة في المصطلح فتشير إلى أهمّيّة أخذ حاجات الطّفل بمجملها حتّى عندما نهتم~ بحاجة واحدة معيّنة لديه.
يبنى النّهج الشّموليّ االتّكامليّ على "إطار مبادئ خاصّة" برعاية وتنمية الطّفولة المبكرة وهي تشكلّ إطارًا يجمع ما بين النّظريّة النّمائيّة ومبادئ حقّوق الطّفل/ة. وتقسم إلى ثلاثة مبادئ حول الطّفل/ة والطّفولة، مؤسّسة لهذا النّهج وثلاثة مبادئ أساسيّة حول الطّفل/ة والبيئة بالإضافة إلى 8 مبادىء حول الطّفل/ة والبرامج.
مبادئ النّهج الشّموليّ االتّكامليّ
الطّفل/ة والطّفولة:
1. الطّفل كيان واحد موحّد مهمّ بكافّة جوانبه، حيث يتأثّر كلّ جانب بالجوانب الأخرى ويؤثّر فيها.
2. الطّفولة مرحلة عمريّة قائمة ومتكاملة في حدّ ذاتها، ومن حقّ الطّفل وحاجته أن يحياها بكاملها.
3. يحدث النّموّ بخطوات متسلسلة، يمكن التّنبّؤ بها. تتخلّلها فترات تكون فيها جاهزيّة الطّفل/ة للتّعلّم في أوجها.
الطّفل/ة والبيئة:
4. تفاعل الطّفل مع الأشخاص (كبارًا وصغارًا) يحفِّز عمليّة التّعلّم عند الطّفل، ينشِّطها ويشجِّعها ويدعمها.
5. تربية الطّفل هي تفاعل ما بين الطّفل وبيئته، بما في ذلك وبشكلّ خاصّ النّاس الآخرين والمعرفة.
6. تنمية هويّة الطّفل الثّقافيّة، ولغة الأمّ وقيمه الخاصّة مهمّة لنموّه السّويّ والمتكامل.
الطّفل/ة والبرامج:
7. هنالك"حياة داخليّة" للطّفل تظهر وتزدهر في الظّروف المناسبة.
8. من المهمّ تثمين الفروق الفرديّة بين الأطفال والإحتفاء بها.
9. الإعتراف بأهمّيّة "الدّافعيّة الداخليّة" للطّفل والّتي تقوده إلى المبادرة للقيام بأنشطة يوجّهها بنفسه، وتشجيعها أمرّ مهمّ في تحقيق مختلف جوانب شخصيّته.
10. تنشئة الطّفل على "الضّبط الذّاتيّ" لضمان تأمين حريّته الشّخصيّة والتّصرّف بمسؤوليّة في السّياق الإجتماعي والثّقافيّ.
11. يحتاج الطّفل الّذي يعيش في ظروف صعبة إلى دعم نفسيّ ومجتمعيّ كافٍ، من أجل تطوير المهارات والقدرات الكامنة لديه والّتي تساعده على البقاء والتّغلّب على الصّعوبات والصّدمات.
12. تربية الطّفل تنطلق ممّا يقدر الطّفل على القيام به، وليس ممّا لا يقدر على القيام به.
13. نظرة الطّفل شموليّة، وهو لا يميِّز بين فروع المعرفة المختلفة، بل يتعلّم بشكل متكامل.
14. تقدير واحترام دور الوالدين و/أو، عند الحاجة، دور أعضاء الأسرة الموسّعة أو الجماعة الرّاعية أو الكافلة في منظور العرف المحلّيّ.
15. تطوير برامج وقائيّة وعلاجيّة لجميع الأطفال، وبالذّات للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصّة.
النّهج الشّموليّ االتّكامليّ هو نهج يتعامل مع الطّفل على أنّه كيان واحد وموحَّد، يتطوّر بشكل شموليّ تكامليّ، أيّ أنّ كلّ جانب من جوانب النّموّ يؤثّر على الجوانب الأخرى ويتأثر بها، وجميع جوانب النّموّ مهمّة بالقدر نفسه، ويجدر بنا الإهتمام بها وأخذها بعين الإعتبار جميعًا- إذ أنّها تتكامل فيما بينها.
ينظر النّهج الشّموليّ االتّكامليّ إلى الطّفل كفرد تتزايد قدراته باستمرار، وذلك إن وجد في بيئة بشريّة داعمة؛ تحترم حقوقه وتوفر له الفرص للمشاركة، نهج بطبيعته دمجيّ يُطالبنا بالنّظر إلى كلّ الأطفال بدون تمييز.
يرى النّهج الشّموليّ االتّكامليّ أهمّيّة الإنطلاق من الطّفل (مركزيّة الطّفل) والإعتراف بل الإحتفاء بما يحضره الطّفل/ة من عوالم داخليّة، تجارب وميول ورغبات واهتمامات، مكونات هويّته/ا الثّقافيّة، وقيمه الخاصّة ويولي أهمية قصوى لدور البالغ/ة الوالدين و/أو، عند الحاجة، دور أعضاء الأسرة الموسّعة أو الجماعة الرّاعية أو الكافلة في منظور العرف المحلّيّ ويوفّر المعايير لنوعيّة التّفاعل بين الطّفل/ة والبالغ. ويدفع باتّجاه تأسيس نهج حقوقيّ في العمل في مجال الطّفولة المبكرة، ويدعم استخدام استراتيجيّات ملائمة في إطار التّقاليد الثّقافيّة المحلّيّة.
كما وأنّ الشّموليّة االتّكامليّة لا تقتصر فقط على الأطفال، بل نقصد بها كذلك أهمّيّة التّكامل فيما بين الّذين يعملون ويعيشون مع الأطفال؛ من أهل، مربّيات، أقارب، مراكز ومؤسّسات.... ونعني التّنسيق وتبادل المعلومات والتّفاعل المشترك بين جميع المؤسّسات، والأطراف الّذين يتعاملون ويعيشون مع الطّفل/ة، في الحضانة والرّوضة، ومراكز الأمومة والطّفولة، الخدمات الإجتماعيّة، الصّحّيّة، التّربويّة، الإعلاميّة.
النّهج الشّموليّ االتّكامليّ والتّعلّم النّشط
يؤسس النّهج الشّموليّ االتّكامليّ بمبادئه المختلفة للتّعلّم الفعّال/ النشط، ويقدم المعايير التى تمكن الطفل/ة من تطوير مهارات التّعلّم الذّاتيّ الخاصة به/ا، أذ يعتبر التّعلّم مرافقًا للحياة يحدث في كلّ مكان وزمان، وينطلق من كون الطّفل/ة متعلِّم بالفطرة، يبدأ مسار تعلّمه قبل الولادة ويتطوّر حب استطلاعه خلال مسار الحياة. غريزة البقاء هي الدّافع الأوّل للبحث والتّجربة والنجاحات الأولى تعزّز التّعلّم وتزيد من دافعيّة الفرد للتّعلّم. التعلّم الفطري مبني على سلوك إستكشافيّ سليقيّ غير منهجيّ، ينبع من حبّ الإستطلاع الطّبيعيّ ويعتمد على التّجربة والخطأ.
التعلّم الفطري يشترط حدوث التّعلّم بالمعايشة أو التّجربة، أيّْ من المهمّ أن يعيش الطّفل التّجربة لكيّ تكون الفائدة قصوى وليكون تعلّمه فعّالاً، فلن ينسى أمر تعلّمه/تعلمته من تجربة ومعايشة. يتعلّم الطّفل من تجارب ذات معنى له ومن المهمّ أن نوفّر له مثل هذه الفرص.
نظرة الطفل شمولية، فعندما يقوم الطّفل بنشاط معيَّن أو بفعاليّة، فإنّه عمليًّا ينشِّط جميع مجالات نموّه، كلّ واحد من المجالات على حدة، وجميعها سوّية في الوقت نفسه: الذّهنيّة، الحسّيّة، والحركيّة، الإجتماعية والعاطفيّة والنّفسيّة واللغويّة. وعليه لا نستطيع القول أنَّ ثمَّة نشاط معيَّن يطور مجال نمّو معيّن وآخر يطور آخر. فكلّ المجالات تتنشَّط وتتطور بالفعاليّة ذاتها أيًّا كانت ، وتسهم أيضًا في تكامليّة نموّه فتغذّي تجاربه بعضها البعض، وتؤثّر على جميع مجالات النّموّ. فكما ذكرت صفير وجيلكس (2001):
"يولد الطّفل مع حاجات تتكامل فيما بينها، فلا حدود تفصل بين حاجة وأخرى. بيد أنَّنا نختار تجزئة هذه الحاجات إلى مجالات مستقلَّة كالصّحّة والتّغذية والتّعليم.... لا يستطيع الطّفل الفصل بين جوعه إلى الطّعام وجوعه إلى الحبّ، أو جوعه إلى المعرفة. وتظهر هذه الوحدة أيضًا في كيفيّة إدراكه العالم، إذ لا وجود في ذهنه لحواجز طبقيّة، أو دينيّة، أو عرقيّة أو قوميّة، إلاّ إذا اخترنا نحن أن نقيّمها. ما يلزمنا إذًا، هو استثمار هذه القوّة الدّاخليّة الكامنة لدى الطّفل/ة، من أجل أن نخطو في مسار من التّطوّر المتكامل الّذي يوصلنا إلى عالم أفضل" .
ومن السبل التى من شأنها أن تسهم في تطوّر التّعلّم الفطريّ إلى تعلّم منهجيّ، توفير تّجارب تتوافق مع عوالم الطّفل الدّاخليّة وتتلاءم مع مستوى نموّه، اهتماماته وميوله وتعزيزها بمرافقة داعمة من قبل الرّاشد من شأنها ان تدعم مهارات التّعلّم لدى الطفل/ة وتمنهج التعلم الفطري وتمكنه أن يصبح متعلم مدى الحياة.
لذا فالطّفل هو مركز عمليّة التّعَلُّم ومحدِّد لمسارها، أمّا نِتاجُها فشخصيّ يعتمد على التَّجربة نفسها وعلى ما يدركه الطّفل/ة المعيّن من خلالها.
الطّفل هو مركز عمليّة التَّعَلُّم من بدايتها وحتّى نهايتها. إذ أنّه المبادر للتّعَلُّم وتكون مبادرته ناتجة عن اهتماماته وبحسب قدراته ومجهوداته. الطّفل قادر على المبادرة، التّعَلُّم، المشاركة وإبداء الرّأي، ولديه الرّغبة والدّافعيّة للعمل، النّشاط، الإبداع، التّمتّع والتّعلّم.
الأطفال مشاركين في ”وضع“ المنهاج (من خلال خياراتهم وتجاربهم ومبادراتهم التّي تتيح لهم إمكانيّة الاستكشاف والتّجريب والتّقييم والمشاركة ضمن أنظمة وقوانين واضحة تعمل على تطوير قدرة الطّفل على الضّبط الذّاتيّ.
لا يهمّنا أن يحفظ الطّفل/ة معلومة وينجح في ترديدها لأنّه سينساها بعد فترة، خاصّة وإن أُسقطت عليه من أعلى دون أن تكون مرتبطة بعالمه واهتماماته. ما يهمّنا هو المسار الّذي مرّ به الطّفل حتّى تَوصَّل إلى المعلومة أو استنتج النّتيجة، وما تعلّمه خلال ذلك عن نفسه وعن محيطه وعن علاقته بهذا المحيط.
إن تواجدَ الطّفل والطّفلة في مركز عمليّة التّعَلُّم سينعكس ذلك في الرّوضة، على: العمليّة التّربويّة- التّعلّميّة والنّاحية الإجتماعيّة وحتّى على شكل وبيئة الرّوضة. فالطّفل/الطّفلة عندما يشاركان في الفعاليّات وبالمبادرة إليها وتطويرها، يشاركان عمليًّا في بناء وتخطيط البرنامج اليوميّ في الرّوضة، وحتّى في تصميم شكل الرّوضة وتزيينها وتجميلها، ويعبِّران بذلك عن ذات كلّ منهما: هويتهما الثّقافية ولغة الأمّ وعن اهتماماتهما وميولهما.
دور البالغ/ المربّية في هذه العمليّة هو: مرافقة الطّفل من نقطة انطلاقه، تطوير قدراته تدريجيًّا بحسب وتيرته عن طريق إغناء البيئة بالمحفّزات أو المبادرة بفعاليّات من عالمه، فالمرافقة الملائمة للطّفل والّتي تضع الطّفل، مبادراته وحاجاته واهتماماته وميوله ومستوى نضجه في المركز، هي عناصر داعمة لمسار التّعلّم وتعميم تجربة الطّفل/ة. دعمه وتقبّله والقيام بدور الوسيط بين الطّفل، العالم ومن حوله هي عنصر أساسيّ يدعم تطوير مسار التّعلّم الفطريّ إلى تعلّم منهجيّ.
للرّاشد الوسيط دور في خلق التّحدّيات للطّفل؛ فحين يتعاطى الطّفل مع تلك التّحدّيات أو المثيرات ويحلّها، ستسهم في تطوير ودعم إدراكه، معارفه، مهاراته التّفكيريّة وقدرته على حلّ المشاكل. أيّْ أنّنا نهيّء البيئة من أجل اللعب والتّعلّم من خلاله. الراشد يحفّزه على التَّعَلُّم، تراقبه خلال العمليّة، تسانده وتدعمه، وتحثّه على السّؤال واستخلاص الجواب وعلى طرح المزيد من الأسئلة، تحادثه، تحاوره، وتدعمه في مسار تجاربه بأشكال مختلفة، وكذلك تشكلّ وسيطًا بين الطّفل والمادّة والطّفل والتّعلّم.
من أهمّ أسس التّعلّم النّشط
• التّعلّم يحدث في كلّ مكان وزمان.
• التّعلّم هو عمليّة فرديّة داخليّة: يحدث وفقاً لنضج الطّفل ميوله وقدراته، عمليّة التّعلُّم متعلّقة بالفروق الفرديّة، أيّ أنّ كلّ طفل يتعلّم وفق مستوى نضجه، قدراته وحيّز اهتماماته، فكلّ واحد/ة له وتيرته الخاصّة وتجاربه السابقة الخاصّة وإدراكه الخاصّ، حتّى لو عايشوا التّجربة ذاتها.
• وجود دافعيّة داخليّة ومبادرة ذاتيّة يزيد من فاعليّة التّعلّم.
• التّعَلُّم يحدث بشكلّ شموليّ تكامليّ: عمليّة التّعلّم تحدث بشكل شموليّ تكامليّ، أيّْ أنّه لا يمكن الفصل بين مجالات التّعَلُّم المتعدّدة.
• يتعلّم الطّفل ممّا يعيشه ويعايشه بشكل شموليّ.
• الإنضباط الذّاتيّ: تعزيز الإنضباط الذّاتيّ، هو عامل مهمّ لإنجاح عمليّة التّعلّم فالإنضباط والإلتزام الذّاتيّ عاملان مساعِدان لتنظيم التّعلّم ومنهجته.
• بيئة داعمة، مادّيّةً وبشريّةً.
كما وأن مرافقتنا للأطفال تعزّز فهمنا كبالغين، وسطاء لمسارات التّفكير لدى الأطفال، وفهمنا لمراحل تطوّر الطّفل وقدراته ومعرفتنا بميوله .


תגובות