التربية الجنسيّة الشّموليّة التكامليّة
- 28 בינו׳ 2015
- זמן קריאה 6 דקות
الطفلة تُدعى إنسانة
والطفل
يُسمى إنسان
بهما
يتساوى الميزان
فاضل علي
مقدّمة:
كثيرة هي التساؤلات التي نسمعها والسلوكيّات التي نشاهدها في مجتمعنا عندما يرتبط الأمر بالتّربية الجّنسية، وعندما يُثار السّؤال في لقاءات الأهالي والمربّين والمربّيات هل يوجد تربية جنسية في مجتمعنا؟ تتوحّد الإجابة بـ "لا" حاسمة إذ أنّ الغالبيّة العظمى تعتقد أنّ مجتمعنا خالٍ من التّربية الجنسية!!
نسمع مَن يُحاول الإجابة أو من ينصح بعدم الإجابة، مَن يستفهم عن توقيت البدء في التربية الجنسية وكيفيّتها؟ نسمع الحيرة في العديد من الأحوال ونسمع ممن لا يستطيعون الإجابة عن أسئلة أطفالهم إما نتيجة الخجل أو الحرج أو نتيجة الجهل أو الإعتقادات الخاطئة.
إنّ التطوّر الجنسيّ هو تطوّر بشريّ يخضع لقوانين النموّ ويمرّ بمراحل مختلفة ومُرتبط بالصّفات الشّخصيّة للفرد، وعلى الرّغم من كونه نتاجًا لتطوّر بيولوجي فإنّه يمرّ بمراحل ترتبط بالنّضج وبالتّعلّم الإجتماعيّ والتهيئة النفسية، ومتأثّر بالثقافة الإجتماعية السائدة، التجارب الحياتيّة والظّروف الإقتصاديّة والسياسيّة والإجتماعيّة والنّفسيّة.
إنّ غياب تربية جنسية واعية ومخطّطة هو أيضًا تربية، فإيًا كان موقفكم من التربية الجنسية كمبدأ، سيؤثّر على سلوككم تجاه الطّفل الذكر أو الأنثى وسيساهم في تربيته بغضّ النظر إن كانت صحيحة أَم خاطئة أو عشوائية.
التربية الجنسيّة الشموليّة:
يعتقد البعض أنّ التربية الجنسية هي عبارة عن برامج خاصّة نشرحها ونُجيب بها عن أسئلة الطّفل/ة بإجابات لغويّة.
والحقيقة أنّ التّربية الجنسية هي تربية حياتيّة مجتمعيّة، فهي نِتاج لعلاقة ورعاية مستمرّة بين الطّفل والبيئة القريبة بشكل خاصّ والواسعة بشكل عام، إنّها مسار اتّصال مستمرّ متلائم مع مستوى نموّ الأطفال واحتياجاتهم واهتماماتهم ومخاوفهم ومشاعرهم ويحدث في سِياق اجتماعيّ، ثقافيّ، نفسيّ وعينيّ.
تتعامل التّربية الجنسية الشّموليّة مع النموّ الجنسيّ كجزء لا يتجزّأ من نموّ الفرد، يؤثّر ويتأثّر من العوامل الوراثية والبيئية التي تؤثّر بنموّ الفرد.
التربية الجنسية الشمولية تتعامل مع الفرد كجزء من عائلة ومجتمع وحياته متأثّرة من الظروف الإجتماعيّة والسياسيّة والإقتصاديّة التي تمرّ بها عائلته ومجتمعه، التربية الجّنسيّة تتمّ في إطار مجتمع له تاريخ وثقافة ومعتقدات وضمن ظروف إجتماعيّة إقتصاديّة وسياسيّة آنية تُعيد بناء هذه المعتقدات وتلائمها لاحتياجات الإنسان. والأفراد الراشدون في هذا المجتمع متأثّرون ومؤثَرون بهذا المسار ونِتاجه ينعكس في أنماط سلوكهم وتفكيرهم ووسائل تعاملهم مع الأطفال في المجتمع. لذا من المهمّ أن نهتمّ بالتّكامل بين جميع الأطراف المهتمّة بتطوّر الفرد.
التربية الجنسية الشّموليّة تهتمّ في جميع جوانب التربية: البيولوجيّة، النفسيّة، الإجتماعيّة والوظيفيّة، إنّها تهتمّ في بناء هويّة الطّفل الجنسية كفرد من أفراد عائلة ومجتمع معيّن، ضمن الظّروف الإجتماعيّة والسياسيّة الخاصّة بهذا الفرد وهذه العائلة وهذا المجتمع.
تتمّ عمليّة التربية بشكل عام والتربية الجنسية على وجه التحديد من خلال هذا التفاعل، ولذا فمهما جزئت فهي شمولية فحتى لو قام معلّم/ة بتزويد الأطفال بمعلومات بيولوجيّة عن أجسادهم، فهو يقدّمها بطريقته الخاصّة المتأثّرة من أفكاره ومُعتقداته الشّخصية والمجتمعيّة، وبالتّالي فهو يقوم بتربية جنسية اجتماعية ونفسية ووظفية وليس فقط بيولوجية. إذًا لا يمكن الفصل بين مركّبات التربية الجنسية المختلفة البيولوجية، الوظيفيّة، المجتمعية والنفسية.
التربية الجنسيّة البيولوجيّة:
تتلخّص التربية الجنسيّة البيولوجيّة في توفير معلومات حول المبنى الجسديّ للفتاة وللفتى، والتعرّف على التّغييرات البيولوجيّة التي تحدث في مراحل النموّ المختلفة وقانونيّتها.
تُعطى عادةً من قبل طبيب أو ممرّضة.
لمرة واحدة
درس
التربية الجنسيّة الوظيفيّة:
هي تربية تسعى لتحديد الوظائف، ترتبط بجنس الطّفل/ة بشكل واعٍ أو غير واعٍ دون الإلتفات إلى رغبات وقدرات الطّفل/ أو الطّفلة. كما وتسعى إلى تحديد الوظائف والمهام التي يقوم بها كلّ من الرجل والمرأة في المجتمع.
التربية الجنسية المجتمعيّة:
وهي أفكار ومُعتقدات إجتماعيّة تُرافق التربية الجّنسيّة في المجتمع العيني، وتؤثّر على السّلوك الجنسيّ في هذا المجتمع وتضع القوانين التي تحدّد السّلوك الجنسيّ لأفراده، وهذه القوانين والحدود تتغيّر بتغيير المجتمع وتغيّر الإحتياجات الخاصّة به.
التربية الجنسية النّفسيّة:
هي عبارة عن ما نُدركه من تلك الرسائل التي نتلقاها ممن حولنا والتي تجعل كلّ ما يتعلّق بهويّتنا الجنسية (جنسانيّتنا) من المواضيع الغيبيّة التي يكتنفها الغموض، وترافق بالخوف والممنوعات غير المبرّرة.
أهداف التربية الجنسيّة الشّموليّة التكامليّة:
تتحدّ أهداف التربية الجنسيّة الشّموليّة بناءًا على:
1) توجّه البيئة المُحيطة لموضوع التربية الجنسيّة.
2) شخصيّة الطّفل ومشاعره ومستوى نضجه.
3) شخصيّة الرّاشد المربّي ومشاعره.
والأهداف ممكن أن تجمل بما يلي:
1) تُساهم التربية الجنسية الشّموليّة في تعامل الطّفل مع هويّته الجنسيّة كجزء لا يتجزّأ من جوانب شخصيّته المتعدّدة، فتُنمّي المُعتقدات والمواقف السليمة حول ذاته وهويّته الجنسيّة وحول الآخرين، يرى أهمّية كل جنس. أيّ أنّها تُساهم بأن يتقبّل الطفل جميع أعضاء جسمه وجميع مراحل نموّه. إنّها تزيد الثقة بالذّات وتُساهم في بناء شخصيّة الطفل المتكاملة غير المنقوصة.
إنّ التربية الجنسيّة الشّموليّة تسهم في استقلاليّة الفرد من خلال التأكيد على تطوير قدرته على الاتّصال والتعبير عن مشاعره الجنسيّة وحاجاته، فالإنسان الذي لا يستطيع التّعبير عن حاجاته ورغباته لا يستطيع فهم حاجات ورغبات الآخرين ويكون أقلّ استقلاليّة في بناء علاقاته المستقبليّة. كما وتسهم في زيادة قدرة الفرد على القرار المستقلّ، مع الأخذ بعين الاعتبار الآخرين والمسؤوليّة الإجتماعيّة.
إنّ التربية الجّنسيّة الشّموليّة تطوّر إيمان الفرد بذاته والثقة بقدراته على الحكم في أمور يواجهها، وذلك لأنّها تساهم في زيادة حساسيّته وانتباهه للمواقف التي تواجهه.
2) تدعم التربية الجنسيّة الشّموليّة التوجّه الإيجابيّ للجنس ووعي الطّفل لكونه كائنًا جنسيًا مع التشديد على خصوصيّة كلّ جنس وعلى المساواة بينهما. فتساعد الطّفل/ة على فهم دوره/ها في الحياة والإكتفاء به. كما وتنميّ اعتزاز الطّفل بهويّته الجنسيّة وتساعده في تقدير قدرات ومساهمات الجّنس الآخر.
3) إذا تعدّت التربية الجنسية الشمولية طابعها الفردي إلى المجتمعي (أي الاتّفاق بين جميع الأطفال المشتركين في التربية الأهل، المربّين والمربّيات، المؤسّسات التّربويّة، وسائل الإعلام..) فمن شأنها أيضًا خلق مواقف إيجابيّة للجنسين وبناء مجتمع أكثر تكافؤاً يعتمد على جنسيه: إناث وذكور، وتزيد من قدرة الفرد على العيش في جوّ عائليّ مُريح وممتع مع إدراك العلاقات المتبادلة داخل العائلة والتعامل معها، مما يزيد من قدرته على التصرّف كإبن، أخ، أخت، ابنة، أب، أم.
4) تسهم التربية الجّنسيّة الشّموليّة في النموّ السليم وتقي من التعقيدات في الحياة المستقبليّة، فتشبع حبّ الإستطلاع الطبيعيّ لدى الطّفل بشكل يُفيده، وتخفّف من مصادر الخوف والقلق لدى الأطفال، وتساهم في إدراكهم بوجود الأهل بجانبهم لدعمهم عند الحاجة، ولبناء ثقة متبادلة، كما وتبني ثقة الأطفال بالأهل.
5) التربية الجّنسيّة المقدّمة بالبيت بكرامة وحزم تسدّ مكان المعلومات التي تصل الأطفال من مصارد خارجيّة غير مسؤولة، وتشجّع على تنمية ضوابط سلوكيّة إراديّة لدوافع ولرغبات غريزيّة، كما وتُنميّ الشّعور بالمسؤوليّة الفردية والإجتماعيّة وتُنمّي الوعي والثقافة العلمية.
6) تُساعد التربية الجّنسيّة الشّموليّة على الأخذ بعين الإعتبار القيم الإجتماعيّة المُرتبطة بالحياة العائليّة وبالجّنس وتدعم التفهّم للسّلوك الجنسي المختلف، وتُساهم في تقبّل كل إنسان مهما كان وفي احترام حقّ الفرد في اختيار مُيوله الجنسيّة.
7) على التربية الجّنسيّة أن تُشجّع بناء موقف يرى أهمّيّة حاجات ومشاعر الآخرين في العلاقة الجنسيّة كأهمّيتها لنا. وعلينا تطوير القدرة على تفهّم وإدراك الحاجات والمشاعر الجنسيّة (الواعية وغير الواعية) للأشخاص الآخرين. وذلك من خلال تطوير إدراكنا وفهمنا لمشاعرنا وحاجاتنا الذّاتية. دون هذا التّفهّم لا نستطيع أن نتوقّع من الشخص بناء علاقة مبنيّة على الاحترام والتّفهم المتبادل.
أسس التربية الجّنسيّة الشّموليّة التكامليّة:
لكي نضمن أن تكون التربية الجنسية شمولية تكامليّة أي حياتيّة في العائلة والمجتمع بمؤسّساته المختلفة علينا أن نسعى بأن تتوفّر بها جميع الشّروط التّالية:
1) مستمرّة:
ليست التربية الجّنسيّة مُحاضرة علمية نقدّمها لأطفالنا لمرّة واحدة، تنتهي بانتهاء الوقت المحدّد لها، ونتنفس بعدها الصعداء راضين عن توفيرنا المعلومات لأطفالنا، بل هي نتاج لمسار طويل الأمد من التداول والتساؤل مبني على أساس الصراحة والمسؤولية.
لا للمحاضرات: علينا وبقدر المستطاع توفير الجوّ الحواريّ مع الإمتناع عن إعطاء المحاضرات، إنّه مسار حديث فتحدّثوا مع طفلكم/طفلتكم عندما يُريد.
2) تدريجيّة:
إنّ تطوّر الإدراك والفهم مرتبط بتطوّر القدرات العقليّة والنّضج، لذا من المهمّ أن تلائم التربية الجنسية اهتمام الأطفال وقدرتهم على الإستيعاب.
عرض الحقائق بالتّدريج وفقًا لاهتمام الطّفل وبتلاؤم مع قدرته على الإستيعاب. الأطفال محبّون للإستطلاع، لكن من المفضّل ألا نحاول دفعهم للسؤال، بل الإنتظار حتى سؤالهم.
3) تتمّ في جوّ حواريّ:
النموّ الجنسيّ جزء من الحياة ويجب أن نهتمّ به بشكل طبيعيّ ومعايشته كأيّ مجال من مجالات النموّ. وكما لا نبخل على الطفل فنردّد الأغنية عشرين مرّة قبل أن يبدأ هو بترديدها لوحده فإنّنا هنا أيضًا سنحتاج إلى إعادة الإجابات مرّة تلو الأخرى دون ملل أو ضجر أو تذمّر. فهذه قانونيّة التعلّم لدى الطّفل. إنّه بحاجة إلى التدرّب على ما تعلّمه بواسطة تكراره.
توفير الجوّ المريح للطّفل يُساهم في تعلّمه، فهو يتعلّم أكثر عندما يكون مُرتاحًا.
تتطوّر التربية الجنسيّة بأفضل صورها في بيئة محبة متقبّلة.
توفير جوّ حواريّ مُناسب للتربية الجنسية حيث يتوفّر لكلّ منهم إمكانية للتّعبير عن آرائه ومشاعره ومواقفه بحريّة ويشعر بتقبّل وبتفهّم.
4) الأهل والمربّون هُم نماذج لأطفالهم:
الأهل والمربّون هُم المربّون الأوائل، وهم نماذج لأطفالهم ليس فقط في مواقفهم وفي آرائهم التي يعبّرون عنها كلاميًا بل أيضًا بسلوكيّاتهم مع أطفالهم وفي تصرّفاتهم فيما بينهم.
مواقفكم مهمّة تمامًا كإجابتكم. لذا يجب أن تكون هذه المواقف واضحة لكم لكي لا يقع تناقض بين ما تقولونه وما تعملونه من جهة، ولكي لا تعبّروا عن مواقف متناقضة أمام الطّفل من جهة أخرى.
لأهل مثال للأطفال وهم يحذون حذوهم، يختزن الطفل وبشكل غير واعٍ مواقف الأهل ومشاعرهم.
حرج الأهل يمنع الطفل من توجيه الأسئلة أو يدفعه للبحث عن إجاباتها خارج البيت.
يستطيع الأطفال الحصول على معلومات من مصادر مختلفة، ولكن أفضل مصدر هو أنتم.
5) استعمال النبرة العادية واللّغة الطبيعية والصحيحة:
التربية الجنسية هي تربية حياتية، جزء من الحياة العادية ولذا من المهمّ استعمال النبرة العادية التي نستخدمها في أي حديث آخر.
6) اعتماد الصحة في المعلومات:
يزيد من مرجعيّتنا ويوفّر مصداقيّة كلامنا، فيعود الطفل إلينا عند الحاجة.
شموليّة التوجّه وتكامله:
من المهمّ هنا التأكيد على أهمّية تناول التربية الجّنسيّة جميع الأبعاد بما فيها البُعد العاطفيّ للجنس، والعلاقة الوجدانيّة التي تجمع الشريكين، ومن هنا ارتباط الجنس بالمحبّة والحنان والإحترام، وهذا يمكن أن ينعكس في العلاقة بين الأم والأب وعلاقة الطفل بإخوته وبالعالم الخارجيّ.
كما ومن المهمّ ألاّ نغفل مقومًا أساسيًّا من مقوّمات الخبرة الجنسيّة وهي اللّذة التي يكتشفها الطفل في سنّ مبكّرة جدًا في حياته مرتبطة بأعضائه الجنسيّة. فهو ينتظر اعترافًا من أهله والأشخاص المُعتَنين من حوله بهذه المُتعة وبشرعيّتها الأساسيّة، كي يتسنّى له أن يواجه الجّنس في ذاته مواجهة كاملة وسليمة.


תגובות